تمديد المهلة، قبل الإعلان عن إجراء استفتاء فلسطيني حول «وثيقة الأسرى»؛ كان خطوة موفقة وضرورية. الوضع المأزوم والمتفجر الواقف أمام مفترق طرق؛ كان بحاجة إلى فسحة وقت. فسحة ولو لمدة يومين، قد تتيح لكافة الأطراف الفرصة لمراجعة الحسابات والتفكر بالخيارات والاحتمالات والمضاعفات؛ التي قد تترتب على عدم التوافق واستمرار التوتر.

وفي المقابل استعراض البدائل التي تقود إلى إعفاء الساحة الفلسطينية من المزيد من الأعباء والهموم ناهيك بالأكلاف، فالكل على دراية بدقة الوضع وحجم التحديات؛ غير المسبوقة والكل على علم بتضاريس المشهد؛ الداخلية منها والخارجية. وإذا كانت خطورة اللحظة ومفصليتها ترمي بظلها على سائر المعنيين في هذه الساحة وكان تغليب الاعتبارات الوطنية هو هاجسهم؛ عندئذ يكون من غير الجائز ولا المقبول أن تضيع هذه الفرصة، من دون التوصل إلى الصيغة القادرة على إخراج الوضع من الطريق السائرة به نحو الاقتتال الأهلي، والسقوط الكبير في جحيمه.

القوى من مختلف المواقع والتلاوين السياسية الفلسطينية ملتزمة، في خطابها وأدبياتها، بعدم اجتياز هذا الخط الأحمر؛ كما هي تسميه وكما هو كذلك لكن لا ضمانة بأن يبقى العمل بهذا الالتزام سارياً، تحت أي ظرف من الظروف. الثوابت تسقطها الصراعات أحياناً. أو هي تعرضها للسقوط. وما شهدته الأسابيع الأخيرة في غزة يؤكد ذلك، الضمانة تكمن في التوافق على سياسات تنهض على أرضية مشتركة تتقاطع عندها مصالح المتحاورين مع المصلحة الوطنية الفلسطينية. فهل يقوى المعنيون على عدم تفويت الفرصة؟

لا عذر لهم إن لم يفعلوا. بل لا مغفرة .فالامتناع عن التزحزح ورفض التلاقي على الجوامع ـ وهي كثيرة ولها الأولوية ـ، مصيبة لها عواقب وخيمة ومدمرة. المدخل لاجتناب الوقوع في هذا المطب، يكمن في التخلي عن لعبة العض على الأصابع والتراشق بالاتهامات والمزايدات، الساحة الفلسطينية نالت نصيبها الوافر من هذه البضاعة.

والنتيجة كانت في ما هي عليه الآن من تنافر وتصادم واحتقان بدأ يأخذ تعبيراته الدموية اليومية على الأرض، المحكومة بالتصعيد والتمدد؛ إذا تعذر التقارب السياسي بين الأطراف المتصارعة. كل ذلك يحوم فوق الأراضي المحتلة وغزة، في الوقت الذي تعاني فيه هذه المناطق من حصار مالي ـ اقتصادي جائر، بدأت أنيابه تنغرس في الجسم الفلسطيني المتعب والسريع العطب.

قد يكون للاستفتاء ما يبرره، وقد يكون لرفضه جدارته، المؤكد أن هناك سبيلاً آخر، يوفر من الوقاية والسلامة ما تتطلبه هذه المرحلة الطافحة بالمخاطر والتهديدات، هذا السبيل بوابته طاولة الحوار الهادف والفعال، لكن ليس حوار شراء الوقت أصلاً، لم يعد هناك وقت للشراء.

الوضع الفلسطيني الداخلي مشبع بالتوترات ولا مساحة لديه للاحتمال. الوضع الدولي ضاغط بكل قوته وبقيادة واشنطن لتركيع وتجويع الشعب الفلسطيني واحترابه مع ذاته. والاحتلال الإسرائيلي منفلت بالعدوان والتوسع الاستيطاني، مع الانطلاق بكل سرعة لانجاز مشروع الفصل الأحادي. سلطة الرأسين الفلسطينية أمام اختبار قد تكون لنتائجه آثارها البعيدة على مستقبل الوضع الفلسطيني . فالقرار له مترتباته القريبة والبعيدة. ويكون قد ارتكب خطيئة كبيرة لو اختار غير صيغة الوحدة الوطنية.