مشكلة الاصوليين اتباع التأسلم السياسي انهم مقتنعون باحتكار الصوابية, وبأن الآخرين ضالون ما لم يتبعوا ملتهم وديانتهم الجديدة حتى ولو كانوا من المسلمين هذه المشكلة تضع المتأسلم السياسي في حالة حرب دائمة مع الآخر إلى ان تتحقق الغلبة للأصولي أو للآخر وطبعا هذه الغلبة لايمكن بلوغها الا بالحروب وبسيلان الدماء.

هذه المشكلة تتجلى الآن في »حماس« الحركة الاصولية الفلسطينية والتي استطاعت الوصول الى حيازة الاغلبية في الانتخابات العامة، وفشلت في تشكيل حكومة بألوان الطيف الفلسطيني.

»حماس« الآن بلغت ذروة المشكلة التي يخلقها الاصولي لنفسه وهو عدم اعترافها بالفلسطيني الآخر، الفتحاوي، أو من اي فصيل آخر على خلفية الاقصاء وعدم الاتباع وبالتالي عدم اعترافها بأنها خاضعة لسلطة وطنية فلسطينية قائمة, لها التزاماتها ولها قوامتها على شعبها ولها اجهزتها ومؤسساتها.

»حماس« الآن في حالة تنازع حتى على فلسطين ذاتها كون رئيس السلطة محمود عباس لم يتأسلم سياسيا ويدخل في العضوية وكون باقي ابناء الشعب الفلسطيني مازالوا موزعين على الوان سياسية ودينية شتى...

هذا الوضع الشاذ الذي جعل من الحكومة حكومة »حماس« وليس حكومة فلسطين، جعل من هذه الحركة صاحبة دكان لا صاحبة وطن أو جزءا من شعب واحد وعلى يد اصحاب هذا الدكان توقفت رواتب موظفي السلطة وتشرذمت القوى الأمنية ووقف الشعب الفلسطيني على مشارف حرب اهلية.

وتهددت القضية الفلسطينية بالزوال والانقراض جماعة »حماس« طبعا ينسبون هذه الويلات الى اسباب خارجة عنهم ولا يعترفون انهم هم المأساة بحكم تكوينهم الاصولي الذي يعادي الآخر ويسعى الى اقصائه, بعد رفع الاعتراف عنه حتى ولو كان فلسطينيا من غير ملة »حماس« وقبائلها.

ان وصول هذه الحركة الاصولية الى اغلبية مقاعد المجلس التشريعي عائد الى الشعارات التي رفعتها ضد الفساد, والى اليوتوبيا المطلبية التي تعهدت بتحرير فلسطين التاريخية من النهر الى البحر...

هذه الشعارات لامست عواطف الناس فاتبعوا اصحابها, تماما كما يتبع الفقراء المرشح الذي يعدهم بالذهب والفضة وسكن القصور... وصول »حماس« بهذه الشاكلة يماثل وصول البولشوفيك الى السلطة في روسيا, وتحكيم الشيوعيين بالبلاد والعباد...

الشيوعيون ايام القيصر بدأوا دعوتهم من اجل رغيف الخبز, فهاجموا ترف الحكام واحتكارهم للثروة, واتهموهم بالتفريط بقضايا الوطن الروسي, والنتيجة ان الناس اتبعوهم ومكنوهم من السلطة, وبالتالي سمحوا لهم بالاستفراد بالمصير الوطني, والذي ادى في النهاية الى المجازر, والى العبودية, والى افتضاح الحكم الكاذب الذي وضعوه في رأس الناس بأن كل ما في البلاد ملكية عامة يعود ريعها على الجميع.

»حماس« تمشي على هذه الدرب الوعرة من اجل احتكار السلطة, واخضاع جميع الناس وقطع السنتهم, ومن هنا بدأت تطور مشكلة الاصولي مع نفسه ومع الآخرين, والتي تتمحور على فرض الرؤى الحزبية ورفض ما عداها الآتي من جهات اخرى وطنية وقومية, ولهذا نرى »حماس« تعلن رفضها الاعتراف بمبادرة السلام العربية التي اطلقها خادم الحرمين الملك عبدالله بن عبدالعزيز في قمة بيروت, ووافق عليها العرب والعالم إلا إسرائيلي, الطرف الاصولي الآخر الموازي لـ¯ »حماس« للتأكيد على ان الاصولية, الدينية والقومية, تشرب من نبع واحد.

الواضح حتى الآن ان قرار »حماس« صاحبة الحكومة الذاتية ليس بيدها, بعد ان اصبحت رهينة شعاراتها وارتباطاتها بالمحور الايراني, وبالتالي فإن المساعدات العربية أصبح من المستحيل وصولها عبر قنوات اخرى غير اسرائيلية, وإلا جرى توقيفها بجرم غسل الاموال, كما حصل مع مبلغ الـ¯ 800 ألف دولار الذي صودر في معبر رفح.

الحاصل الآن ان حماس العاجزة عن معاقبة الآخرين أصبحت لا تقدر الا على نفسها, فلا تعد الناس بشيء غير الصبر, واختيار الجوع على الركوع, وحالها في ذلك كحال الزوج الذي تخاصم مع زوجته فأنهى رموز رجولته نكاية بها, فلم تخسر هي شيئا, وخسر هو معنى وجوده وحياته.

بعد هذه التجربة لايمكن ان تصبح »حماس« وجها صالحا للمفاوضات مع احد, كما لم تعد هذه الحركة صالحة لحكم فلسطين اللهم الا اذا كنا بصدد تنفيذ مؤامرة هدفها تثبيت »حماس« في الحكومة من اجل انهاء البقية الباقية من القضية الفلسطينية, واجهاض حلم المواطن الفلسطيني في ان يكون له علم ودولة ويبدو ان هذه المؤامرة المفترضة قائمة وتعمل بنجاح.

نتذكر ان اولمرت, رئيس وزراء اسرائيل, صفقوا له في الكونغرس الاميركي ثماني عشرة مرة, لانه عرف كيف يعزف النغمة التي يطرب بها العالم, فما هي النغمات التي تقدر »حماس« على عزفها ويطرب لها العالم وما هي الامكانات التي تملكها لتصبح جزءا من انشطة الدول وحركتها, وطرفا مريحا لمن يريد التفاوض معها؟

»حماس« الآن هي العقدة والمشكلة فهي لاتملك للآخرين الا الفظ والغليظ القلب, والمنفر الذي يصعب التعامل معه, ولايجوز ابقاؤه في موقعه منعا لتفاقم الاضرار والكوارث, اذ يكفي الشعب الفلسطيني ما عانى وما تعذب وعلى يد أبنائه.