يعتقد الغرب أنه بالاملاءات والتهديد والحصار يمكن إسكات كل صوت أو رأي مغاير لا ينسجم مع رؤاهم.. وهم في ذلك يتخلون عن كل القيم الإنسانية التي ظلوا ينادون بها لقرون، بل أن بعضهم يدعي أنهم خاضوا حروبا وبذلوا دماء من أجلها.

فلقد شنت، في أعقاب أحداث 11 سبتمبر، حروبا مختلفة الأشكال والسبل والأهداف على العالم العربي والإسلامي.. بعضها بدواعي محاربة الإرهاب وأخرى بدواعي إزالة حاكم مستبد هنا وآخر هناك، وبعضها يهدف إلى مساعدة شعوب المنطقة على تحقيق مطالب واستحقاقات، من قبيل الديمقراطية والحرية وحقوق الإنسان، ظلت هذه الشعوب تطالب بها لعقود من دون أن يلتفت إليها أحد!

ولعل أخطر هذه الحروب هي تلك التي تجري في الخفاء ومن دون سفك دماء ولا جعجعة حديد ولا دوي سلاح أو غباره، ويعاونها في ذلك من أهل الدار كثر. ودواعي هؤلاء مختلفة متنوعة، لكن يجمع بينها شيء واحد: «دوام الحال»، وإن كانوا يعرفون أن ذلك من المحال!

خطورة هذه الحرب على «العدو» أو من تشن ضده غير عينية، ونتائجها تتحقق بمرور الزمن ولكن تأثيرها مدمر وغير قابل للإصلاح، والأدهى أنها تمس أقدس ما في هويتنا وثقافتنا وديننا.

هناك حرب تشن ضد اللغة العربية، وأخرى للقضاء على الشعور القومي، وثالثة «لتصحيح» أساليب حياتنا وممارسة معتقدنا. والأخطر تحييد الدين «الإسلام» والحد من قوة تأثيره على ترسيخ قناعات بين الشباب المسلم لا يجد لها الغرب أصداء في ثقافته وفكره.

ومنذ أحداث 11 سبتمبر ومرورا بتفجيرات اسبانيا ولندن، ووصولا إلى تفجيرات شرم الشيخ لم تتوقف أميركا: سياسيون، ورجال دين، وإعلاميون ـ خاصة في الأوساط اليمينية ـ عن ربط العنف بالدين الإسلامي، وإن تفاوت نبرة الصوت حسب مقتضى الحال، ومدى قربه من الإدارة الأميركية وبما ينسجم مع مستجدات أرض الواقع محليا وإقليميا.

والحرب على أفغانستان والأخرى على العراق، وإعطاء الصهاينة تخويلا كاملا ـ ومن دون حساب ـ لقتل الفلسطينيين سواء كان المستهدف من حماس أم الجهاد أو طفلا كان يلهو أمام دار أهله، وتبرئتها من دم «محمد الدرة»®.

دم كل الذين قتلوا وشردوا من ديارهم منذ أن أطلق مناحيم بيغن زعيم منظمة «الأرغون» الصهيونية أول رصاصة في دير ياسين قبل نحو ستين عاما، وما قبلها وبعدها من مجازر قتل بيد باردة.. كلها تصب لصالح حروب الغرب المقدسة الجديدة لمحاربة «الإرهاب الإسلامي».

ففي نفس السياق، دعا النائب الجمهوري عن ولاية كولورادو توماس تانكريدو، في حوار إذاعي، إلى تدمير الأماكن الإسلامية المقدسة إذا ما تعرضت أميركا لأي هجوم إرهابي من قبل أفراد مسلمين.. أي أنه يطالب بمعاقبة مليار مسلم في مقدساتهم الدينية إذا ما قام مجموعة من المتطرفين بهجوم انتحاري الإسلام براء منه.

الداعية البروتستانتي مايكل غرام، الذي لا يخفي حقده وكراهيته للإسلام ، له وجهة نظر لا يتورع عن إعلانها وبأعلى صوت! فقد أشار في برنامجه الذي تبثه إذاعة محلية في واشنطن ـ لا تبعد كثيرا عن البيت الأبيض ـ إلى أن «الإسلام منظمة إرهابية ليس غير، وأن القضية ليست الأصولية بحد ذاتها وإنما الإسلام». ويعتقد غرام «أن العنف الذي يتعرض له الغرب في السنوات الأربعين الأخيرة ليس له إلا مصدر واحد وهو الإسلام».

يبدو أن القس غرام اختلطت لديه الأمور، فلا العرب ولا المسلمين وضعوا امة بكاملها في محميات بشرية، مثلما فعلوا هم بالهنود الحمر، ولا أعطوا وعد «من لا يملك لمن لا يستحق» لاغتصاب أرض وتشريد أهلها لإقامة وطن لليهود.. واعتبار شعبها العربي ـ مسيحيين ومسلمين ـ صاحب الوجود الطبيعي الممتد آلاف السنين، مجرد طوائف وجودها طار في فلسطين.

وتوماس فريدمان، الصحافي المشهور، كتب في إحدى مقالاته، أن الإسلام يدعو إلى التسامح مع الأديان الأخرى، قبل أن يستدرك مذكراً قراءه أن التسامح في الإسلام ينطلق من «منطلق التفوق وليس المساواة، فينشأ الفرد المسلم على حقيقة أن «دينه» هو التعبير الأصح للوحدانية».

المفارقة أن «فريدمان» كما يشي اسمه أحد أفراد «شعب الله المختار»®. حسب معتقدهم الذي يؤكد اختيار «يهوه» أي «الله» سبحانه وتعالى للشعب اليهودي وتعزيز مكانتهم على الأرض كأعوان له وشركاء في إدارة العالم دون سواهم من البشر الآخرين!

وعلى الرغم من أن إدارة البيت الأبيض، من خلال التصريحات الإعلامية والمبادرات الاجتماعية لأعضائها والمتحدثين باسمها، تؤكد أن لا علاقة بين الإسلام كعقيدة و«الإرهاب»، فإن الفرد الأميركي غدا أكثر ميلا للأخذ لما يقوله نائب عنصري، وقس متطرف، وصحافي محترف في ليّ عنق الحقيقة عن مسؤول حكومي فقد خطابه «المصداقية»!

إن التسامح الذي يدعون إليه ال«كبار»، هذا إذا أخذنا بحسن النية، لا يجري في سياق الفعل، فقد أعربت الولايات المتحدة وأوروبا، مؤخرا، عن انزعاجهما الشديد من الآية التاسعة عشرة في سورة آل عمران (إن الدين عند الله الإسلام) التي عادة ما تتلى عند نهاية خطب الجمعة في المساجد التركية. وجرى الاتفاق على الضغط على الحكومة التركية لإلغاء الآية الكريمة من خطب الجمعة، وحجتهم في ذلك أنها بمثابة «تهديد للمسيحيين وتشكل ضغطاً على الأديان الأخرى».

ازدواجية الخطاب الغربي الراهن تجاه الإسلام عقيدة وفكراً، والنظرة الأحادية «التوجه» والاتجاه في التعامل مع العالم العربي والإسلامي وتحديد العلاقة معه، تتجلى هنا في أوضح معالمها، إذ لم نسمع من الغرب صوتا ندد بحديث غرام، فهو، بما له من مكانة وتأثير بين المسيحيين، أكثر خطرا على التسامح الديني الذي يدعوننا إليه وأشد خطرا، ولا الحزب الذي ينتمي إليه النائب تانكريدو، وهو الحزب الحاكم في أميركا، أعلن أن ما صرح به العضو لا يمثل رأي الحزب.

وكان الأحرى بمن قرر الضغط على تركيا لمنع أئمة المساجد من تلاوة الآية الكريمة من على المنابر أن يضغطوا على الصحيفة «الصفراء»، التي نشرت رسوما كاريكاتيرية مهينة للرسول محمد صلى الله عليه وسلم ومطالبتها بتقديم اعتذار للمسلمين، لا أن يُبرر ذلك التطاول على أنه ممارسة حرية التعبير عن الرأي..

مما شجع صحف ال«تابلويد» الأخرى في أوروبا على إعادة نشر تلك الرسوم.. تضامنا مع تلك الصحيفة وإمعانا في الإهانة. وإزاء كل ذلك، لم تجد وزيرة الخارجية الأميركية، عندما أدلت بدلوها في هذا الشأن، سببا آخر وراء استياء المسلمين المتواضع غير اتهام كل من سوريا وإيران باستغلال رسوم الكاريكاتير لإثارة غضب المسلمين!

والآية الكريمة «إن الدين عند الله الإسلام» لا تدعو إلى اعتبار المسيحية خطرا على الإسلام ولا تمس الأديان الأخرى بشيء. كان الأحرى بهؤلاء المنادين بالتسامح واحترام معتقدات الآخرين أن يقرأوا القرآن الحق قبل إصدار أحكام تعمق الهوة بين أتباع الديانات السماوية .. .

وليتلمسوا الوجه الإنساني المشرق للإسلام، ودعوته إلى تعايش الأديان وعلى وجه الخصوص السماوية منها ـ واحترام الآخرين بغض النظر عن دياناتهم وطوائفهم أو جنسهم. قال الله تعالى: «لكم دينكم ولي دين»، و«ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين».

ويبقى أننا نحن الملامون لا غيرنا. فكل هذا التنكيل بمعتقداتنا وثوابتنا يمر بسهولة. فنحن: شعوباً وحكاما أصبح غضَّ الطرف منا نهجا وسجيَّةً. وكما تقول القاعدة الشرعية «السكوت في موضع الحاجة بيان».

كاتب عماني