لقد نص قانون انتخابات مجلس الأمة الكويتي على تقسيم الكويت إلى عشر دوائر انتخابية في الفترة ما بين 1963 ـ 1980م، تنتخب كل دائرة خمسة نواب وفي فترة حل مجلس الأمة حلاً غير دستوري من 1976 ـ 1980م، تم تعديل هذا القانون من قبل الحكومة ليصبح عدد الدوائر تنتخب كل دائرة نائبين.

وكان الهدف من التعديل هو تصغير الدائرة وعدد الناخبين فيها لسهولة التحكم بها، وبررت الحكومة موقفها بالزيادة السكانية وظهور المناطق الجديدة لكن النتيجة لذلك التعديل هي ترسيخ القبلية والطائفية وسهولة رشوة عدد من الناخبين في بعض الدوائر، وكذلك استشراء ظاهرة الانتخابات الفرعية المجرَّمة قانوناً والممارسة فعلاً على أرض الواقع.

وبالقاء نظرة على تجربة الخمس والعشرين دائرة خلال عشرين سنة من تعديل الدوائر من عشر إلى خمسة وعشرين نجد ترسيخاً لتلك الظواهر وتردياً في نوعية النواب وأدائهم بيد أن الحكومة أرادت ذلك النهج وتفضله لأنها ترى فيه مصلحة لها بتوفير أغلبية نيابية لصالحها عند التصويت على القرارات المهمة، وشجعت نواب الخدمات وسهلت مهمتهم لدى مؤسسات الدولة.

من هنا أصبح ضروريا التحرك والضغط من قبل المستنيرين في المجتمع الكويتي من الاتجاهات المختلفة الليبرالية والدينية والمستقلة لإعادة النظر في قانون الانتخاب، وتعديل الدوائر الانتخابية اما بالعودة إلى الدوائر العشر التي طبقت في الستينات والسبعينات من القرن العشرين أو الأفضل هو اعتماد الكويت خمس دوائر انتخابية.

اما لماذا الضغط باتجاه الخمس دوائر لأن تقليل عدد الدوائر يعني توسيع المنطقة الانتخابية وهذا يعني زيادة عدد الناخبين وبخاصة بعد اقرار حق المرأة السياسي الذي يعني مضاعفة عدد الناخبين في كل المناطق، ونتيجة ذلك تعني صعوبة احتكار قبيلة أو طائفة لمنطقة انتخابية، وكذلك صعوبة اجراء الانتخابات الفرعية للتصفية المبكرة قبل الانتخابات العامة.

وأيضاً ستصبح رشوة هذا العدد الكبير من الناخبين لكبر حجم الدائرة أمراً صعباً وربما مستحيلاً. لذلك ترى الحكومة وبعض النواب يقاتلون من أجل إبقاءالوضع على ما هو عليه لأنهم مستفيدون منه، وتجدر الإشارة إلى أن تعديل قانون الانتخاب من عشر دوائر إلى خمس وعشرين دائرة جاء حكوميا في فترة حل مجلس الأمة وعدم وجود حياة دستورية .

ولكن مجلس الأمة يقترب من انتهاء دورته البرلمانية، وقرب الانتخابات المقبلة 2007 فقد تحركت القوى السياسية والشعبية في الكويت مطالبة بتعديل قانون الانتخاب لتقليل عدد الدوائر الانتخابية، وفي أجواء حكومة جديدة أعلنت انها حكومة إصلاح وستواجه الفساد، وأقرت بعدم صلاحية قانون الانتخاب القائم وعدد الدوائر بدأ الضغط الشعبي خلال شهري أبريل ومايو 2006.

وكانت الحكومة حائرة، وفي يدها القرار بتصويت وزرائها في مجلس الأمة لديها الأغلبية ويمكنها إقرار التعديل بيد أنها لم تكن تريد ذلك وتفضل إبقاء الخمس وعشرين دائرة وفي أسوأ الحالات موافقتها على التعديل إلى عشر دوائر فقدمت مشروعا بعشر دوائر في الوقت الذي تضغط فيه القوى السياسية والرأي العام ليكون التعديل خمس دوائر .

وكان في الإمكان قبول القوى السياسية والشعبية برأي الحكومة لكن الحكومة حتى تخلط الأوراق حركت بعض أفرادها وهم قلة لكنهم متنفذون لتفخيخ مشروعها حتى تضطرب الأمور فيبقى الأمر على ما هو عليه فضمنت مقترحها أرقاما غير عادلة بعدد المرشحين وعدد النواب في كل دائرة مثل:

منطقة عدد ناخبيها 16 ألفا تنتخب 6 نواب، وأخرى 40 ألفا تنتخب 4 نواب! ثم تطرحه في مجلس الأمة وتطلب إحالته إلى المحكمة الدستورية!

وأثير هنا السؤال التالي من قبل الناس من خلال قواهم السياسية أو الدواوين: كيف تقدم الحكومة مشروعا بقانون تعديل الدوائر وتطعن في دستوريته وتقترح تقديمه للمحكمة الدستورية لتبت فيه؟!

ومرت الكويت خلال الأسابيع الثلاثة الأولى من شهر مايو بأزمة سياسية حين قامت في هذه الفترة احتجاجات وتجمعات شعبية عند ساحة العلم ومجلس الأمة تطالب بالدوائر الخمس وتحتج على تصرف الحكومة.

وبلغت الأزمة حداً ليس فيه حل وسط فالحكومة ومناصروها تمسكوا بموقفهم والمعارضة بكل أطيافها تمسكت بموقفها، وكانت النتيجة حل مجلس الأمة حلا دستوريا والدعوة لانتخابات عامة في نهاية شهر يونيو 2006م أي خلال خمسة أسابيع هو حل دستوري لإنهاء أزمة قائمة ومؤقتة بيد أنه ليس حلاً للمشكلة الرئيسية .

حيث ستبقى قضية تعديل الدوائر إلى خمس أو عشر قائمة وعلى أجندة المجلس القادم بعد انتخابه، والكل يراقب نتيجة الانتخابات التي سيدخلها عنصر مهم وهو تصويت وترشيح المرأة وربما يساهم في تغيير المعادلة، لكن حتما هناك متغيرات تحدث وتتفاعل فقد أظهرت الأحداث الأخيرة ان جيلاً من الشباب الواعد كان مؤثراً في الأزمة الأخيرة.

كاتب كويتي