غداً الخميس يلتقي المتحاورون اللبنانيون، مرة أخرى، حول الطاولة المستديرة ومعها يدخل الحوار جولته الثامنة على مدى نيف وثلاثة أشهر. غلّة هذه المسيرة، على الصعيد الملموس، شحيحة.
توافقات عامة لم تر الترجمة، حتى الآن، على الأرض. ولم يكن ذلك خارج التوقعات. فالخلافات كبيرة والفجوات واسعة. القضايا المطروحة شديدة الحساسية والتعقيد، ناهيك بالتداخلات. والساحة تعيش التهابات وصراعات من العيار الثقيل. وربما المصيري، منذ حوالي سنة ونصف السنة. لذا لم يكن هناك وهم، عند اللبنانيين وغيرهم، حول النتائج؛ في المدى القريب.
مع ذلك حظيت فكرة الحوار من الأساس ومع كل انعقاد جلسة، بالترحيب فهي تجربة جديدة على الساحة التي اعتادت معالجة قضاياها الشائكة في مستشفيات الخارج. ثم ان الطاولة، رغم المراوحة، لم تنفجر، حتى الآن، وينفرط معها عقد المتحاورين. في ضوء الواقع اللبناني وألغامه واحتقاناته، فضلاً عن أجوائه العامة الضاغطة إلى أبعد الحدود، يعتبر ذلك بمثابة الانجاز. حصر الخلافات ضمن مساحة الطاولة، صمّام أمان معه عامل الضبط، يبقى قائماً. والأمل يبقى حيّاً.
لكن لكي تستمر فعالية هذا الصمام، لابدّ من تفعيل الحوار وانضاج طبخته. ولو بالتقسيط. فذلك يعزز الثقة به ويعطي المزيد من الزخم لمسيرته. لم يحصل ذلك في الجلسات السابقة. على العكس حصل ترحيل وتأجيل لبنود وإشكاليات؛ فبدا وكأن العملية غرقت في المراوحة.
وما زاد الخشية أن المسافة كانت تشطح وتطول بين الجلسة والتي تليها. خاصة انه خلال تلك الفجوات الزمنية، كانت موجات التوتر بين الأطراف ترجع إلى سابق عهدها. بل أحياناً يزداد علوها وزخمها. وقد ترك ذلك أكثر من تخوف من الانعكاسات السلبية التي كان من المتوقع ان تتركها على أجواء الحوار واحتمالاته.
لكن في كل مرة كانت الأمور تعود إلى مجراها الاعتيادي على الطاولة. وكأن هناك توافقا بين التزام ضمني بشأن الاستمرار في البحث عن مخارج؛ بالتراضي وبعيداً عن الشارع.
وهنا يكمن الجانب الايجابي للحوار اللبناني، رغم بطئه السلحفائي. وقد تأكد ذلك، في الأيام الأخيرة التي شهدت اهتزازات مقلقة؛ تمثلت بدخول ولو عفوي للشارع على خط الأزمة؛ مما زاد من درجة التوتر. لكن لحسن الحظ، حصل التدارك السريع من كافة الجهات وتمّ قطع الطريق على أي توظيف أو تعنيف للموقف.
ورغم ما أثاره ذلك من ردود؛ الا انه بقي خارج التأثير على اجتماع غد؛ الذي أكدت كافة الأطراف عزمها على المشاركة فيه والتداول في جدول أعماله؛ الذي يحمل بنداً واحداً وهو من أشد بنود الحوار سخونة وحساسية: سلاح المقاومة واستراتيجية الدفاع عن لبنان.
لقد مرّ لبنان بظروف ومطبّات صعبة وخطيرة. وفي كل مرة كانت الدروس مكلفة وبليغة. وقد راكم منها ما يكفي لعبوره المأزق الراهن. واختياره لوسيلة الحوار المحلي البلدي هذه المرة يؤشر إلى مدى تقديره لهذه الدروس والاسترشاد بها.
المتبقي أمامه أن لا يسمح بفشل الحوار أو طي صفحته. والأهم ألا يترك وهجه يخبو اذا ما بقي من دون نتائج مرجوة ينتظرها اللبنانيون واخوانهم العرب. فله في تجاربه وتجارب محيطه ما يملي عليه هذه الحصيلة.