من أخطر آفات المجتمعات آفة الازدواجية، وأسوأ الإعلام هو الإعلام ذو النظرة المزدوجة، ونحن نحاول منذ سنوات ان نحدد لمجتمعنا سمة واضحة المعالم والأهداف فعجزنا، ليس لعدم وضوح الرؤية بل لازدواج المعايير التي نسير عليها.
ففي البيت لدينا معيار خاص وفي العمل معيار آخر يختلف عن الأول، وفي اختلاطنا بأفراد ومجموعات داخلية ندعي ان لدينا معايير لا تمت لمعاييرنا المطبقة في البيت والعمل بصلة.
وفي الخارج نكون شيئا آخر وكأننا قد جئنا من كوكب آخر وبفكر يلقي كل الأفكار ويتجاوز كافة المعايير.فينا من يدعو إلى حرية المرأة فيحبس نساءه في المنزل، وكأنهن لسن ضمن أفراد المجتمع الذي ينادي به.
وفينا من ينادي بتعدد الآراء وصحة اختلافها ولا يسمح لأحد بأن يبدي رأيه في الجهة التي يديرها، ولكنه قد يدعي في مؤتمر أو ندوة انه يطبق نظريات الإدارة الحديثة من خلال المشاركة الجماعية في النقاش والحوار واتخاذ القرار، ويسعد عندما يسمع التصفيق الحار.
بينما الديكتاتور الصغير الذي يعيش في داخله يتململ، وفينا من ينادي بالتوطين وتعديل ميزان التركيبة السكانية، واذا اقتربنا منه وجدناه يرفض تعيين المواطنين في مؤسساته ولا يعترف باستخدام العرب، ويبرر فعله بأن مئة أجنبي رخيص يضيفهم إلى الأرقام المهولة للأجانب لن يخل بالخلل الموجود أصلا.
وفي الإعلام نحن أكثر ازدواجية، ننادي بالحرية ونؤلب السلطات على الصحف التي تمارسها، ونشن حملة ضد الصحف الناطقة باللغة الانجليزية لأنها وسعت هوامش الطرح والمناقشة والجرأة، واذا كتبنا دافعنا عن ما كتبناه وحملنا القوانين في ايدينا لتؤكد اننا لسنا خارجين عن النص.
واننا استخدمنا حقنا المكفول في التعبير عن الرأي، ولكننا نطالب بكبح جماح الصحف الاخرى لأنها تطرقت لقضايا موجودة، ولا نخجل من ترديد عبارات بعض المسؤولين بتضخيم الأمور أو الإساءة إلى الدولة لدى الأجانب، أو تشويه صورة المجتمع، وتذهب بعض وسائلنا إلى درجة الإيقاع بالآخرين.
ففي الوقت نفسه الذي نقول فيه إننا صادقون في ما نكتب نكذّب ما تقوله الوسائل المنافسة الاخرى، وكأننا نصطاد في المياه العكرة، دون اعتبار لزمالة مهنة أو أخلاقيات يفرضها الواجب.
عندما نخلّص أنفسنا من آفة الازدواجية والتلون بحسب الظروف ومتطلبات اللحظة، عندها يمكن ان نحقق كل ما نريد بسلاسة وهدوء، فقط ان يكون ما ننادي به هو ما نطبقه على أنفسنا وليس على غيرنا، ان نبدأ نحن بما نؤمن به، وإلا فكيف يصدق من يسمع ويقرأ ويتابع ان ذلك الذي يتحدث عن تطور المجتمع غير قادر على تطوير نفسه، ومن يطالب بحرية الإعلام يحارب إعلام غيره.