دعوة عامة للتوقف عن مهاترات ومزايدات تدوي هنا، وشعارات روتينية يتردد صداها في مكان آخر، فما نحن بصدده أكبر من «القيل والقال»، ويحتاج إلى خطوات عملية بعيداً عن التنظير لبرامج سياسية نارية وفضفاضة، لا تذيب في النهاية سوى الجسد الفلسطيني ولا يمكن أن تلقى القبول لا من قريب ولا من بعيد.
الوضع الفلسطيني وصل وبفعل أخطاء متراكمة شارك فيها الكثيرون إلى قمة الانحدار، وهو الآن أحوج ما يكون إلى خطوات جريئة تزيل عن كاهل «الغلابة» الذين لا حول لهم ولا قوة بعضاً من أوجاعهم.
بالأمس القريب وصلت حركة المقاومة الإسلامية «حماس» إلى منصة رئاسة الوزراء في غفلة انتخابية فاق منها الناخبون بعد شهور قليلة أو ربما أسابيع، لا سيما وأن عشرات الألوف من أبناء الشعب الفلسطيني كتب عليهم «العمل المجاني» أو «التطوعي»، في وقت ينام معظمهم وقوت أبنائهم في علم الغيب.
سبب ذلك يدركه أصغر فلسطيني يلازمه حلم الدولة، فتلك الحكومة لا تملك المصانع أو الشركات الأممية أو البترول لتوفر لشعبها قوت أطفالهم، رغم أنها تشارك في ورطة خطيرة تفوق الأكل والشرب، وكما قالت جدتي «فش حد بموت من الجوع».
لا غرابة في ذلك، فالورطة التي أقصدها ماثلة للعيان ومن لا يدركها فليراجع نفسه ثانية وثالثة ورابعة وبعجالة قبل أن يصل السيف أعناقنا، ففلسطين هي فلسطين وواهم من يظن أن من يحمل ذلك الشرف يمكن أن يتهاون أو يبيع أو يخون.
ولكن في المقابل فالكل يعرف أين محل ذلك الشعب من الأعراب على الساحة الدولية، ورحم الله أمرأً عرف قدر نفسه، وجدتي قالت أيضاً «الكف ما تقدر على المخرز»، ووفقاً لهذا المنطق «البلدي» فلا بد أن يلتف الكف على المخرز بذكاء وحنكة السياسة.
ما يعيشه الفلسطينيون على أرضهم المهددة والمستباحة أمام غطرسة العدو الإسرائيلي يعد وفق الإيمان بالعقيدة الإسلامية رباطاً، وهذا بحد ذاته عزاءً يشد فيه الفلسطينيون أزرهم، ولكن هل يا ترى سيستمر هذا الرباط إلى مالا نهاية، أم أن اللعب على وتر الشعارات السياسية الرنانة والبرامج الحزبية الفضفاضة سيؤدي إلى ما لا يحمد عقباه، فتتكرر مواقف «نكباوية» لا رغبة لأصحابها بتذكرها.
الفرق بين الفلسطينيين والإسرائيليين شاسع، فبرامج إسرائيل تتحدث عنها يدها الطائلة فوق رؤوس الفلسطينيين، ووحدة أحزابها اليمينية واليسارية والمعتدلة تحت راية مزيد من المكاسب السياسية والجغرافية، في المقابل يراوح الفلسطينيون مكانهم في دائرة مغلقة يزداد عمقها يوماً بعد يوم، لا لسبب سوى أنهم متمسكون ببرامج لا تمس ولا تقبل القسمة على اثنين!.
مرة أخرى لا داعي للمهاترات العريضة، فالذي يحلل الواقع الفلسطيني المعقد على ورقة أو اثنتين ومن بعيد ليس كمن فرض عليه البقاء في تلك الحفرة، وأوافق «شماعة» الكثيرين أن إسرائيل لا تريد السلام، ولكن في المقابل الواقعين في تلك الحفرة لا تساعدهم ظروفهم على الحل العسكري، في وقت تتسارع فيه همة الطرف الآخر نحو تغيير ملامح الواقع، دون حول من أصحابه أو قوة فما الحل إذاً.
أوافق أيضاً ذلك الصوت الذي يقول ان أبا عمار -رحمه الله- لم يحقق الكثير من المكاسب طيلة مسيرته السياسية التفاوضية، ولكني لا أبالغ حين أقول ان ذلك الرجل الذي امتهن النضال على مدار عقود معقدة لم يمنح الفرصة الكافيةوكان يتحتم عليه تعديل الكثير من قناعات العالم المشوهة.
في وقت ظلت تتفاخر فيه المعارضة الفلسطينية بالمزيد من الأعمال المسلحة داخل إسرائيل، والتي عرقلت خطوات السلطة نحو مكاسب سياسية أكبر، ومنحت إسرائيل سلاحاً أقوى في اللعب على وتر الإرهاب وترسيخ تلك القناعات، والمفارقة أن أصحاب ذلك النهج تخلوا عنه حينما وجدوا أنفسهم في الحكم.إلى الآن لا تزال ذيول الفرصة الأخيرة في الملعب الفلسطيني والتي تحتاج إلى قبضة واحدة وجريئة.
فالوقت لا يحتمل مزيداً من المماطلة، لا سيما وأن المبادرة الأخيرة التي أطلقها قادة فلسطينيون من خلف قضبان السجون الإسرائيلية أوشكت على الموت بفعل التحفظ الروتيني «للرافضين».
وذلك بالرغم من أن طرحها على استفتاء شعبي هو لب الديمقراطية، ولكن المعطيات تشير إلى غير ذلك.وفي ظل موازيين عالمية لا ترحم الضعيف، ولا تعيد الحقوق إلى أصحابها على أطباق من ذهب، فالفلسطينيون بحاجة ماسة إلى من يسند وقفتهم من جديد، والسياسة إن مورست بذكاء وتكامل وإجماع لا بد وأن تؤتي أكلها.
فإسرائيل التي تضع دائماً العصى في عجلة السياسة الفلسطينية لا تعيش في كوكب آخر. ويمكن إيقاف بلدوزرها إذا منح العرب شيئاً من المسؤولية والثقة، ومسيرات الجوع التي تجتاح كل يوم الشوارع الفلسطينية وحدها تفسر الحاجة إلى العرب، فلا مجال لمزيد من الأخطاء والتحفظات في وقت لا يحتمل الكثير من المماطلة، ويجدر بأبناء فلسطين مطالبة حكومتهم بتبني المبادرة العربية التي أجمع عليها العرب في قمة بيروت، حتى لا يندم الكثيرون على ذيول الفرصة متى اجتازت خط المنتصف.