مقتل احد عشر طالبا جامعيا دفعة واحدة امس في العراق، واستهداف اساتذة الجامعات والعلماء والعسكريين السابقين في الجيش العراقي وظاهرة قطع الرؤوس ، بالاضافة الى السيارات المفخخة وغيرها من مظاهر القتل في العراق لم تعد مجرد تعبير عن انفلات امني او تصفيات عرقية أو مذهبية ، وانما هي افعال تدل على الاطراف التي ترتكبها واسبابها الحاقدة ومآربها الشريرة في تدمير ذلك البلد العربي وتحطيم ملامحه الانسانية وانجازاته الحضارية.

ويبدو ان غاية كل هذا القتل هي تصفية حسابات قديمة واحقاد دفينة ولا علاقة له بالصراع الدائر على خيرات العراق ومستقبله السياسي والا فما هي الفائدة من قتل الطلبة والاساتذة الجامعيين مثلا ، وما دامت التفجيرات لا تغير على ارض الواقع شيئا فان قتل الناس وتلويع اهاليهم هو هدف لئيم في حد ذاته.

ان التقارير التي تؤكد وجود استهداف من هذا النوع يفهم منه تصفية الاشخاص الذين حققوا نجاحات في ميادين علمية او عسكرية من شأنها ان تدلنا على الجهة التي يمكن ان يحركها الانتقام على هذا النحو من القدرة على التنفيذ ، واذا كانت فكرة البقاء للاقوى هي التي تسيطر على العقلية البائدة التي تتحكم في الاجزاء الكبيرة من الصراع فان الاصرار على فهم ما يجري بانه حرب بين السلطات والمقاومة او المنظمات الارهابية ليس له ما يبرره.

من الواضح الان ان هناك بعد ثالثا ورابعا وربما خامسا للاعتداءات التي يتعرض لها الشعب العراقي ، وسواء انقسم الناس على اساس الحمية المذهبية او لم ينقسموا فانهم جميعا ضحايا مخطط القتل الذي تمارسه جهات عديدة حتى وان لم يربط بينها رابط ، ولا نعرف في الواقع ما هي النتيجة النهائية للمذابح التي تشهدها المدن العراقية وماذا سيبقى من خريطة العراق الذي نعرفه ضمن حدوده السياسية المعروفة لديه ولدى جيرانه.

من المؤسف ان بعض المناطق قد اصبحت مع الوقت موصومة او مطبوعة بالطابع العرقي والمذهبي للقاطنين فيها ، ولم نعد نرى لا قواسم ولا جوامع مشتركة لمبدأ الدولة الوطنية ، ومع وجود هذا القدر الهائل من القتل المتعمد والمدروس فان المبررات ستكون حاضرة كي تعفي - الذين ابتعدوا عن مركز الدولة العراقية حتى في شكلها الجديد - من تقديم اسبابهم الموضوعية لهذا التوجه ، وقد لا نجازف اذا قلنا ان بعض نتائج الحرب الاهلية قد ظهرت قبل ان تنفجر على نطاق واسع وان الذين يخططون للقتل في العراق يريدون توسيع دائرة النار كي تتيح لهم قدرة اكبر على مواصلة مخططات التصفية والانتقام.

بعيدا عن اليأس فانه ما من جهة محددة يمكن مطالبتها او مناشدتها للتصدي لذلك المخطط لانها منشغلة جميعها بالصراعات التي خلقتها لنفسها والمؤامرات التي حيكت لها ، ولكن لا بد من وجود جهة تستطيع قراءة عمليات القتل من خلال معرفتها بالقتيل الذي يدل حتما على القاتل ، وبعدها يمكن فضح تلك الجهات وردعها ومحاسبتها من خلال تضافر جهود شعبية ومنظمات غير حكومية وجهات محايدة ، ذلك ان الكلام من خارج المحيط العراقي قد يؤخذ على محامل اخرى ، وقد لا يخدم قضية الشعب العراقي المستباح.