في المشهد الفلسطيني الدامي يحضرني مشهد مأساوي آخر من فيلم إنجليزي يروي قصة من العصور الوسطى تمكنت فيها القبائل البريطانية من إحراز نصر تكتيكي على المملكة الإيرلندية الجبارة.

فما كان من أمر الملك الإيرلندي إلا اللجوء للمكر والحيلة ، فاستدعى قائد جيشه وخلصا في اجتماع عاجل إلى نتيجة مفادها أن جيوشهما الجرارة لكن المهزومة في أمس الحاجة إلى فترة زمنية لالتقاط الأنفاس.

واعادة تنظيم الصفوف إثر الضربة الموجعة التي تلقاها على يد القبائل البريطانية المبعثرة، وأن الطريقة الوحيدة والمثلى للحصول على فترة الاسترخاء المنشودة تلك تكمن في إلهاء القبائل المعادية وزعاماتها في مبارزة دامية فيما بينها، يدعو إليها الملك الإيرلندي محاربي تلك القبائل الأشداء، على أن يحظى من يفوز أخيرا بيد الأميرة كريمة الملك فضلا عن تسميته ملكا على القبائل الإنجليزية.

ولقد أطلق الملك الإيرلندي على هذه الحيلة إسم الجائزة وقد يكون من الأصوب تسميتها الطعم ، الذي يراد منه الإيقاع بالفريسة ومن ثم التهامها لقمة سائغة ، وكان للملك الإيرلندي ذلك، إذ انقسمت القبائل الإنجليزية على نفسها وراح كل زعيم من زعمائها ينشد الخلاص لنفسه أولا ومن ثم لقبيلته ما استطاع إلى ذلك سبيلا.

حال الفلسطينيين لا تختلف إلا بالتسميات وبعض التفاصيل المتناثرة هنا وهناك عن هذا المشهد المتكرر في التاريخ، لكنها متطابقة بالتمام والكمال من حيث مضمون القضيتين ، فمذ أقرت منظمة التحرير الفلسطينية في مجلسها الوطني الثاني عشر المنعقد في القاهرة عام 1974 برنامجا مرحليا سمي ببرنامج النقاط العشر وقلبت فيه معادلة التحرير إلى معادلة السلطة..

منذ ذلك التاريخ والفصائل الفلسطينية لا بل والكثير من الأطراف العربية تتصارع فيما بينها ، بين مد وجزر وفي الغالب جزر إلى أن وصلت الأمور إلى حد استجداء أي شيء وكل شيء بما في ذلك مجرد لقاء أي شخصية اسرائيلية مهما صغر شأنها وحتى لو كانت عسكرية أو أمنية .

بينما يمثل دائما الجانب الفلسطيني والعربي في هكذا لقاءات بأرفع ما لديه من مستويات سياسية قيادية بما في ذلك الرئاسة، التي يبدو أنها لم تعد لديها رؤية خارج رؤية السيد الأميركي القابع في البيت الأبيض.

ما سبق ذكره ما هو إلا غيض من فيض لعملية تراكمية ونوعية في مسيرة الهرولة لا بل والعدو أيضا باتجاه كل من يكن العداء للشعب الفلسطيني خصوصا والأمة العربية عموما.

مما ولد رغبة جامحة في الشارع الفلسطيني والعربي ،البعيد عن كواليس الأنظمة وأروقتها المعتمة ، باتجاه معرفة ما الذي يقف وراء ذلك الحماس ، الذي تبديه مؤسسة الرئاسة الفلسطينية الفتحاوية حيال ما تدعيه وحيدة .

فيما يتعلق بمشروع سلام يستلزم تهيئة المناخ السياسي الفلسطيني الداخلي وترتيب أوراقه وتقديم كل التنازلات المطلوبة ، هذا إن بقي هناك من تنازلات أصلا، قبل الجلوس إلى طاولة مفاوضات وهمية مع قادة الدولة العبرية.

لا أحد يريد وضع أي عصي ، في حال توفرها، في أي دواليب هي كرتونية أصلا، لكن الخطاب السياسي المطروح من جانب مؤسسة الرئاسة الفلسطينية الوهمية لا يعكس إلا نهجا اعتادت الساحة الفلسطينية عليه .

ويتعلق بعقلية انفرادية لا ترى إلا نفسها على الساحة ولم تقود القضية الفلسطينية ،لا بل ومعها الكثير من القضايا العربية، إلا إلى مواقع التردي والهوان والتلظي وراء سراب سياسي تلو آخر.

أما الفصل الأخير من هذا النهج المدمر ، فقد تمثل بخطاب التهديد والوعيد المتعلق بضرورة التوصل إلى اجماع وطني فلسطيني حول وثيقة الحركة الفلسطينية الأسيرة في سجون الاحتلال الصهيوني والرامية إلى الخروج من مأزق ما أفضت إليه نتائج العملية الديمقراطية الفلسطينية النزيهة، مع أن كل القراءات حتى المتفائلة .

منها تشير إلى أن الحوار الوطني الفلسطيني ولد ميتا ، على ضوء المواقف المتعنتة التي تبديها قيادة حركة فتح حيال تراجعها إلى الصف الثاني في الساحة الفلسطينية عقب الانتخابات التشريعية الأخيرة ، التي أتت بحركة حماس إلى سدة البرلمان والحكومة الفلسطينيين.