أسهل طريقة كي يشوه اقتصادي سمعته في منطقتنا هي أن يدعو إلى ضريبة الدخل. الدولة التي تحصل على معظم مواردها من عائدات النفط والرسوم تتجنب هذه الضريبة لتتفادى تبعاتها السياسية:
«لا ضرائب بدون تمثيل». كما أن شعوبنا التي اعتادت التزام الدولة بالرعاية الاجتماعية الشاملة للمجتمع والخاصة لفئات واسعة تشكل قاعدة اجتماعية للحكم تعتاش على حساب توسع إنفاق الميزانيات على البنى التحتية والخدمات أو العطايا فأمنت الثراء السريع دون التزامات مجتمعية يحددها قانون.
هي الأخرى لا تحب الحديث عن ضريبة الدخل. بينما الواقع المستتر أن المواطن يدفع للدولة الجزء الأكبر من حصته المفترضة من ريع النفط قبل وصولها إليه كضريبة لا يفصلها قانون.
وفجأة.. الكويت الشقيقة، التي يحوي باطنها عشر احتياطي النفط العالمي الثابت، وتحصل من عائداته على 70% من دخلها، تدرس الآن مشروع اقتراح بتطبيق ضريبة الدخل على الأشخاص الطبيعيين لأول مرة. على كل مواطن أو مقيم يحقق دخلا في الكويت، والموضوع هو دخله الذي ستقتطع منه 10 % كنسبة ثابتة.
يقول بيان وزارة المالية محقا إنه لم يعد ممكنا تحقيق الإصلاح المالي والاقتصادي دون تطوير للنظام الضريبي أسوة بالبلدان المتطورة والنامية.
نعم، هذه خطوة جريئة نحو بناء اقتصاد عصري و«تحقيق العدالة الاجتماعية وتعزيز دور الفرد في خدمة المجتمع»، وستحدث نقلة نوعية في ثقافتنا الاقتصادية، وهي ضرورية، لكنها غير كافية.
المشكلة أن الاقتراح يجيء في سياق سلسلة من الإجراءات الإصلاحية على إثر وصفة قدمها صندوق النقد الدولي في 10 مارس الماضي بتعجيل تحديث القوانين والنظم القديمة وإعادة تسعير الكهرباء والماء ومنتجات النفط على قاعدة السوق.
وإبداء المرونة في برامج دمج الكويتيين في سوق العمل المحلي، والأهم - خفض ضريبة الدخل على الشركات الأجنبية. وعليه فإن مقترح الحكومة يجيئ في سياق مشروع القانون الذي أقرته في 24 مايو بتعديل أحكام المرسوم بقانون رقم 3 لسنة 1955 بخفض تلك الضريبة من 55% إلى 15%.
وبالمقابل، ولمنع انخفاض الموارد الضريبية يبدو أن السياسة الاقتصادية الجديدة ترى توزيع بقية العبء على الشركات المحلية والأفراد.
يمكن توقع أن ضريبة الدخل ستطرح نفسها على بقية بلدان المنطقة عاجلا أم آجلا. وفي تاريخ التطور الرأسمالي لبلداننا لا يشكل النظام الضريبي عنصرا في ثقافة المجتمع الاقتصادية، بينما يمكن الحديث عن النظم الضريبية وكأنه عن تاريخ الحضارة الإنسانية عموما.
لقد لازم ذلك كل النظم الدولية سوقية أو غير سوقية، وأصبح حلقة ضرورية في العلاقات الاقتصادية منذ ظهور الدولة وانقسام المجتمع إلى طبقات.
ومن المفيد العودة إلى تاريخ تطور هذا المفهوم وجذوره الاقتصادية الاجتماعية لنعرف كيف نندمج في مجراه الراهن. فأمام المتأخر أحيانا فرصة أن يبدأ من حيث وصل الآخرون.
النظام المقترح لا يحقق هذه الفرصة. إنه، ولدهشة المتتبع، عودة إلى بدايات نشأة النظام الضريبي، القديم قدم العالم، كما يقول الاقتصادي الإنجليزي س. باركنسون.
وينطبق ذلك سواء على مفهوم الضريبة أو نسبتها. ففي الكتب الخمسة الأولى لعهد النبي موسى فيما بين القرنين 9 - 7 ق.م. ورد أن عشر بذور الأرض وثمار الشجر من حق الإله - الكنيسة. أي أن أول نسبة ضريبية في التاريخ كانت ثابتة، وقدرها 10% (من إجمالي الناتج).
لقد مرت التصورات حول مفهوم الضرائب ودورها بست مراحل تبعا لتطور العلاقات الاقتصادية. بداية عملت الضرائب كمفهوم اقتصادي أساسا، اكتسب فيما بعد محتوى قانونيا.
وفي كل الأوقات ظل النظام الضريبي إلزاميا منذ فرض كجزية على الشعوب المهزومة بنتيجة الحروب، ثم تضحية معنوية إلزامية في المجتمعات المستقرة.
وقد بلغت الضريبة وفق النظرية الكلاسيكية في المراحل المبكرة حوالي ربع الناتج الوطني فلم تعد صالحة لارتفاعها الذي يهبط بالقدرة الشرائية والإمكانيات الاستثمارية. أما الضرائب غير المباشرة (الرسوم) فتزيد في أسعار السلع والخدمات لتكبح الاستهلاك مما يؤثر على أغلب العمليات الاقتصادية.
حلت محلها النظرية الكنزية (الاقتصادي الإنجليزي جون كينز وأتباعه) (1883 (1946)وفكرتها المركزية أن النمو الاقتصادي يعتمد على المدخرات النقدية فقط في حالة التشغيل الكامل في المجتمع.
ولأن الأخير غير ممكن عمليا، فإن المدخرات الكبيرة تعيق النمو الاقتصادي لأنه لا يعاد استثمارها في الإنتاج، فتشكل مصدر دخل سلبياً، ولذلك وجب امتصاص فوائضها عن طريق الضرائب.
وفي خمسينات القرن الماضي طرح ميلتون فريدمان أستاذ الاقتصاد في جامعة شيكاغو نظرية الضريبة النقدية مؤسسة على نظرية النقد الكمية.
وفي الثمانينات فقد طرح علماء الاقتصاد الأميركيون بيرنس، ستاين وليفر نظرية اقتصاد العرض التي تنظر إلى الضرائب كواحد من عوامل النمو والتنظيم الاقتصاديين، لكنها ترى أن ارتفاع الضرائب تؤثر سلبا على النشاط الاقتصادي والاستثماري مما سيؤدي في النهاية إلى انخفاض مدفوعات الضرائب. وتنادي بخفضها ومنح الشركات الامتيازات الممكنة ما سينعكس نموا اقتصاديا متسارعا.
شكلت هذه النظرية أساس السياسات الاقتصادية للثالوث اليميني الصاعد في النظام الرأسمالي العالمي في الثمانينات في أميركا وبريطانيا وألمانيا: الريغانية والتاتشرية والكولتية.
وقد أثارت تلك السياسات، المتهاونة لمصلحة رأس المال الكبير وضد مصالح غالبية المجتمع، ردود فعل شعبية غاضبة، خصوصا في بريطانيا. وبعد أن هزم الليبراليون المحافظين البريطانيين في انتخابات 1997 تحت نظرية «الطريق الثالث» بلغت الضرائب ذروتها بنسبة 7, 37% من الناتج المحلي الإجمالي.
وفي نهاية مارس الماضي قدم وزير المالية البريطاني غوردون براون ميزانية 2006/2007 (العاشرة في عهده) محافظا على نفس النسبة تقريبا (6 ,37%)، ومتنبئا بارتفاعها إلى 8 ,37% و1 ,38% للسنتين الماليتين التاليتين. وهكذا نرى أن للنظام الضريبي طبيعته الاجتماعية السياسية التي أبدت تأثيرها القوي على جوانبه النظرية.
