يعيش الوضع الفلسطيني حالة صراع مزدوج، في آن، مع العدو المحتل من جهة، ومع نفسه من جهة ثانية. الأول قوة عاتية، تحتاج مواجهتها الى وحدة صف غائبة، والثاني صراع من النوع القاتل، لو بقي يحتدم وعجز أطرافه عن الاستدراك وترجيح متطلبات اللحظة على متطلبات الأجندات المتنافرة، كلاهما يتقاطعان عند المطلوب المفقود: ترميم البيت الفلسطيني الداخلي.
تمر الأيام وتتأزم الأمور وتتراكم التطورات والمتغيرات، فيما يبقى هذا المفقود على حاله، وكأنه يدخل في باب الاستحالة، مع أنه المفتاح الى المدخل السوي، على الأقل لأنه يضمن تقليل الخسائر، ناهيك بتعزيز الأجندة الوطنية الواحدة.
وهكذا يدور هذا الوضع حول ذاته، في دوامة محكومة، اذا بقيت على حركتها، بالوصول به الى حالة الدوخان وفقدان التوازن، مع كل ما يترتب على ذلك من كوارث، لا تعود تنفع محاولات ترقيعها، ولا إبداء الندم على وقوعها.
وقد بدأت تظهر عوارض هذه الحالة على الأرض عندما انعقدت طاولة الحوار الفلسطيني، واستبشر الناس خيراً. فهو البوابة المؤدية الى الترميم، لكن الحوار يشترط، ليؤتي ثمرته، وجود متحاورين، ويعني وجود استعداد للتقارب عن طريق التنازل.
وإلا تحولت الجلسات الى شطارة في المناورة، لتمرير وتسويق كل طرف لبرنامجه ومواقفه، وللأسف هذا ما حصل، ذلك انه سرعان ما أصيب التحاور بالانسداد في شرايينه وتوقفت حركته.
وإحالته إلى لجنة لمتابعته لم تكن سوى محاولة لحجب الفشل، وللخروج من الانسداد، طرح رئيس السلطة فكرة الاستفتاء على «وثيقة الأسرى» المعروفة، بعد عشرة أيام اذا لم يتحقق أي اختراق في الحوار، ومضت المهلة أمس.
الوضع تحت حصار مؤلم، بدأت تظهر متاعبه على الأرض، حسب الوثيقة، المطلوب من حكومة «حماس» القبول بالمبادرة العربية وبالقرارات الدولية، على هذا القبول يتوقف فك الحصار، حماس ترفض بعض بنود الوثيقة، المتعلقة بمثل هذه الموافقة، كما ترفض ان تكون إدارة المفاوضات مع إسرائيل منوطة بمنظمة التحرير، ورئيس السلطة.
على هذا الأساس ابدت حماس اعتراضها صراحة على الاستفتاء ووصفته بأنه غير قانوني ومحاولة «للانقلاب الأبيض» على حكومتها، إلا أنها اشترطت تعديل الوثيقة للموافقة على الاستفتاء، في المقابل تقول «فتح» ان الأمور عندما تصل الى نقطة المأزق فإن السبيل الوحيد والسليم لتجاوزها هو الاحتكام الى التصويت الشعبي.
بمعزل عن من سجل نقاطاً لمصلحته في هذا الجدل ومن خسر، فإن التراشق الحاصل لا يخرج عن محاولات رمي الكرة في ملعب الآخر لإحراجه وكسب الجولة ضده، والخطير في هذا التكتيك ان ممارسته تحصل في ظرف دقيق طافح بالاحتقان والغليان، وبالترافق مع تحصين مواقع على الأرض ومع بدايات تحول التراشق السياسي الى تراشق بالأسلحة.
طرح الاستفتاء له حيثياته. ورفضه أيضاً، لكن الأساس ليس في جدارة الطرح أو الرفض. فلو حصل التلويث أو لم يحصل، ولو فاز أو سقط، المشكلة قائمة، طالما الخلاف على التوجه قائم، فالمخرج السليم معروف.
والتجربة تؤكده، والحوار خارج مظلة البحث عن شروط تحالف وطني عريض يتسع للجميع عند هذا المفصل الفلسطيني، يشبه محاولة طحن الماء، وحده باب التحالف يؤمن الخروج من الدوامة واجتناب شرور الدوران فيها.