هل يؤيد قادة المعارضة في السودان مبدأ التدخل الدولي في الشأن الوطني السوداني أم يرفضونه؟

اطرح هذا السؤال على الصادق المهدي أو د. حسن الترابي وستسمع على سبيل الإجابة كلاما كثيراً ينتهي إلى تناقض النتيجة مع المقدمة فالمقدمة هي إدانة التدخل الدولي على أي شكل أو مبرر.. بينما الخلاصة النهائية هي ليست فقط الترحيب بتدخل عسكري دولي.. بل تمني وقوعه.

يبدأ الزعيم المعارض حديثه بانتقاد اتفاق نيفاشا للسلام وإدانته على اعتبار ان قوى دولية فرضته كمعادلة ثنائية تنحصر في حزب شمالي وتنظيم جنوبي مسلح لا يمثل أي منهما إلا أقلية سياسية.

ولكن مع استرساله في سرد الحجج والملاحظات النقدية فإن مسار الحديث ينتقل به في سياق حمأة النقاش إلى اتفاق أبوجا المبرم بين الحكومة وفصيل دارفوري رئيسي.

وبالرغم من أنه لا يؤيد الاتفاق فإنه يرحب بالاقتراح الأميركي الداعي إلى إرسال قوات دولية إلى دارفور.

لماذا هذا التناقض؟

لأن نقطة الانطلاق لدى قيادات المعارضة ليست كيفية التصدي لمشكلة الجنوب وأزمة دارفور ووضع حل سلمي لكل منهما وإنما هي كيفية إسقاط نظام «الانقاذ» الحاكم بأية وسيلة وبغض النظر عن الثمن والعواقب.

أجل.. ان من حق أحزاب وتنظيمات المعارضة أن تسعى لإسقاط النظام ولكن ليس على حساب قضية قومية كالجنوب ودارفور واتخاذهما مادة للمناورات والمساومات بما يقودها الى تناقضات فاضحة.

لب المشكلة يتمثل في أن أحزاب المعارضة فقدت بوصلتها الأيديولوجية.. وبالتالي ليس لدى أي منها رؤية شاملة لمصير البلاد يمكن ان تنبثق منها خطة مبرمجة.

في الوقت نفسه نجد ان كلا من «المؤتمر الوطني» ـ حزب الأقلية الحاكم ـ وشريكه في السلطة «الحركة الشعبية» لهما رؤية أيديولوجية بعيدة المدى رسمت على أساسها برمجات مرحلية.

ليس معنى هذا ان هذين التنظيمين على حق وما سواهما على باطل أو العكس. لكن المعنى هو أن أي تنظيم سياسي حاكم يمتلك رؤية أيديولوجية واضحة وهرمية تنظيمية دقيقة فإن بوسعه ضمان البقاء الطويل على سدة السلطة. حتى لو كان تنظيماً لا يمثل سوى أقلية.

لقد رأينا ونرى كيف أدى فقدان البوصلة الأيديولوجية بالقيادات الحزبية المعارضة إلى خسران مبين. فمن داخل «التجمع» وخارجه راهن كل من الصادق المهدي ومحمد عثمان الميرغني ود. الترابي على «الحركة الشعبية» الجنوبية كحليف من أجل الإطاحة بالنظام الحاكم.

وكانت النتيجة ان قيادة «الحركة» صعدت على أكتافهم لتنفرد بعقد صفقة حاسمة مع قيادة النظام كتنظيم جنوبي صرف على حساب الأحزاب الشمالية.

ولم يتوقف الخسران عند هذا الحد. فقد خرجت من هذه الأحزاب مجموعات منشقة انضمت الى السلطة.

وصفوة القول ان القيادات الحزبية المعارضة باتت تعاني حالة اضمحلال خاصة في مواجهة تنظيمات جهوية يتصاعد نموها السياسي، ولن ينقذها من الاضمحلال سوى إعادة انتاج نفسها وفق رؤية أيدولوجية مستحدثة.