عندما احتفلت الولايات المتحدة مؤخراً، كعادتها كل عام، بيوم الذكرى الذي تكرم فيه أبناءها الذين سقطوا في ميادين القتال، بادر الكثيرون على امتداد العالم إلى متابعة الكلمتين التقليديتين اللتين ألقاهما الرئيس الأميركي ووزير دفاعه بهذه المناسبة، ربما على أمل أن تشمل الكلمتان إشارة إلى أولئك المدنيين الذين سقطوا بفعل النيران الأميركية من دون ذنب جنوه، فراحوا ضحية مسيرة آليات السياسة الخارجية الأميركية في العديد من أرجاء العالم.
في عالمنا العربي يحاول الكثيرون اليوم أن يرهفوا السمع، وأن يتابعوا ما يجري على شاشات الفضائيات، لعل الحقيقة، التي حجبت طويلاً، تخرج من وراء ستائر دخان محاولة التغطية على ما جرى في مدينة الحديثة العراقية، الواقعة على نهر الفرات إلى الشمال الغربي من بغداد، في قلب ما درج الإعلام الأميركي على تسميته بـ «المثلث السني» في 19 نوفمبر 2005.
محاولة المتابعة هذه تستهدف معرفة مصير أربعة وعشرين من العراقيين المنسيين، الذين قتلوا في ذلك اليوم بدم بارد، وهم جميعاً من المدنيين، بينهم عائلات بكاملها حصدت حصداً في دورها، بمن فيها الأطفال والنساء وذوو الاحتياجات الخاصة، وكل ذنبهم أنهم كانوا في الزمان الخطأ، في المكان الخطأ.
اليوم ومع ظهور صور وإفادات وشهادات جديدة عما جرى في الحديثة، بدأت أصوات عدة تقارن بين ما جرى في الحديثة وبين مذبحة ماي لاي في فيتنام، التي وقعت قبل سبعة وثلاثين عاماً، وحاولت المؤسسة العسكرية الأميركية التغطية عليها، لكنها ظهرت للعيان، وتحولت إلى أحد أهم منعطفات رفض الشعب الأميركي لحرب فيتنام.
اليوم أيضاً تشير الاستطلاعات إلى أن ستة من كل عشرة أميركيين يرفضون الحرب في العراق، ويؤكد المحللون أن مذبحة الحديثة لن تكون أقل دوياً ولا تأثيراً في الرأي العام العالمي من الجرائم التي شهدها سجن أبو غريب سيئ الصيت، من تعذيب للمعتقلين العراقيين على أيدي الحراس الأميركيين بتعليمات صادرة عن أعلى المراجع.
لكن ما الذي جرى في الحديثة على وجه الدقة؟ لماذا يتجدد الاهتمام به اليوم بعد كل هذه الشهور إلى حد إجراء تحقيقين بشأنه في وقت واحد؟ من أين تنبع التوقعات بأن تتحول هذه المذبحة إلى ماي لاي الشرق الأوسط من حيث التأثير في الرأي العام العالمي؟
الأسئلة المنتمية إلى هذا النوع تبدأ ثم توشك ألا تنتهي، لكن أهم ما فيها أنها تدفعنا إلى الإمساك بقبضة من الحقائق الأساسية، يمكن أن نلخص أبرز ملامحها فيما يلي:
أولاً في 19 نوفمبر 2005 انفجرت قنبلة أخفيت عند حافة إحدى طرق مدينة الحديثة في وحدة من المارينز الأميركيين، كانت تمر بالمكان، وعلى الفور لقي لانس كوربورال ميجيل تيرازاس مصرعه، وجرح اثنان من زملائه في سرية كيلو من الكتيبة الثالثة من الفرقة الأولى من المارينز.
وما جرى بعد ذلك هو موضع تحقيقين يجريان حالياً، لكن صور الفيديو التي التقطها طالب صحافة عراقي والصور التي التقطها فريق تابع للمخابرات العسكرية الأميركية وإفادات شهود العيان تؤكد كلها أن المارينز الأميركيين اندفعوا في أرجاء المدينة، على امتداد الساعات التي أعقبت الانفجار، في حمى شهوة الانتقام.
وقد خرجوا تمام الخروج عن السيطرة والانضباط، وفي النهاية كانوا قد قتلوا أربعة وعشرين مدنياً أصغرهم طفل في الرابعة من عمره وأكبرهم عجوز مبتور الساق في السادسة والسبعين من عمره، بفتح نيران البنادق الآلية والرشاشات وإلقاء القنابل اليدوية عليهم.
وتوضح الصور الموجودة تحت يد هيئة التحقيق الجنائي التابعة للبحرية الأميركية أن العديد من الضحايا قتلوا بإطلاق النار من مدى قريب على الرأس والصدر والظهر، بأسلوب الإعدام الفوري، وتوضح إحدى الصور أن طفلاً وأمه كانا يصليان عندما جرى إعدامهما.
ثانياً: تماماً كما حدث في مذبحة ماي لاي، جرت محاولة للتغطية على مذبحة الحديثة، لكن الكذب هنا كانت حباله قصيرة، فبعد شهرين من وقوع الجريمة كانت مجلة «تايم» تنشر التفاصيل الأولى للمذبحة، وقامت صحيفة «لوس انجلوس تايمز» بنشر جانب من الوقائع المروعة.
ثالثاً: من المنتظر أن تعلن قريباً النتائج النهائية للتحقيقين الأميركيين في مذبحة الحديثة اللذين يجري أحدهما حول المذبحة نفسها، بينما يجري الثاني حول محاولة القيادات العسكرية الأميركية التغطية على ما جرى.
ويسود الاعتقاد ـ حسبما سربت الصحف الأميركية ـ بأنه هنا ـ كما في حالة سجن أبوغريب ـ ستقع المسؤولية الجنائية على عناصر ذات رتب صغيرة أعلاها سرجنت رهن الاعتقال حالياً، وهكذا لا تقع الكوادر العليا تحت المسؤولية أو المساءلة، بينما درجت جيوش العالم كله على تأكيد مسؤولية القيادات السياسية والعسكرية العليا عما يقدم عليه الجنود المحترفون والمدربون من جرائم حرب.
رابعاً: أياً كانت نتائج التحقيقين العسكريين الأميركيين، فإن مذبحة الحديثة تركت بصمتها بالفعل على ثلاثة مستويات:
أ - إذا كان هناك في الشارع العراقي من لا يزال يعيش تحت وهم أن الحراب الأجنبية يمكن أن تجلب إلى بلده سلاماً أو استقراراً أو ديمقراطية، فإن هذا الوهم قد تبدد بفعل نيران المذبحة، مرة وللأبد.
ب ـ من المحقق أن المذبحة ستنضم إلى فضيحة أبوغريب في ضرب أي رصيد من التأييد في صفوف الرأي العام الأميركي للحرب على العراق.
ج ـ تأتي الأضواء الإعلامية المسلطة على المذبحة لتصب في خانة التحول الفعلي باتجاه رفض الحرب وادانتها في كل عواصم العالم.
خامساً: لا يتردد الكثير من المحللين والمراقبين المتابعين للتطور في الشرق الأوسط في الإعراب عن اعتقادهم بأن مذبحة الحديثة ستكون الحجر الأول في انهيار جبلي يؤدي إلى خروج سريع للقوات الأميركية من العراق، أياً كان التفكير بالتمني من جانب المخططين في البنتاغون، وأياً كان الشكل الذي سيتم به إخراج نهاية التحقيقات الراهنة في المذبحة ذاتها وفي محاولة التغطية عليها.
في ضوء هذا كله، فليس غريباً ولا مدهشاً أن يوضح عضو مجلس النواب جون مورتا، وهو كولونيل سابق، أن مسؤولين في البنتاغون أكدوا له أن المذبحة أسوأ بكثير وأشد وحشية مما كان معتقداً، لدى انفجار الأخبار الأولى عنها، وشدد على أن المذبحة أمر بالغ السوء بالنسبة لأميركا في هذا التوقيت.
وبغض النظر عن صدق النوايا في الكونغرس والتخوف من النتائج في البنتاغون، فإن المرء لا يملك إلا التساؤل عما اذا كانت التحقيقات الأميركية في المذبحة ستمضي في الطريق نفسه، الذي سبقتها إليه نظيرتها في فضيحة أبوغريب، حيث انتهى الأمر بأحكام قصيرة الأمد لعدد من حملة الرتب الدنيا.
هذا التساؤل منطقي في ضوء الممارسات السابقة للمؤسسة العسكرية الأميركية، في السياق نفسه، ودعنا هنا نتذكر أن مذبحة ماي لاي، التي اسفرت عن مصرع 504 مدنيين فيتناميين، لم تسفر إلا عن محاكمة لفتنانت وليام كالي قائد احدى الفصائل المشاركة في ارتكاب المذبحة، حيث أدين، وصدر الحكم عليه بالسجن، ثم صدر عفو عنه بعد سنوات قلائل.
البعض يتوقع السيناريو نفسه في حالة محاكمة أي مسؤول عن القتلة الذين ارتكبوا مذبحة الحديثة، والبعض يرى أن الأوان قد آن لأن يضم قفص الاتهام المسؤولين الحقيقيين، الذين كانت قراراتهم وراء جعل موت مجاني للعراقيين على هذا النحو أمراً ممكناً، وشيئاً يمكن تغطيته ولفلفته ودفنه في ملفات تحال إلى أرشيف منسي.
وفي غضون ذلك، يحق للمرء التساؤل عن السر في أن جماعات حقوق الإنسان العربية والمنظمات العربية والحكومة العراقية نفسها، والحكومات العربية الأخرى تلزم الصمت إزاء مذبحة بهذا القدر من الضراوة والوحشية.
لماذا لا يرتفع الصوت العربي عالياً للمطالبة بتحقيق دولي في المذبحة؟ أم أن علينا أن ننتظر سبعة وثلاثين عاماً قبل أن نجرؤ على المطالبة بأن يدفع مرتكبو المذبحة ثمن الدم العربي البريء الذي اريق على ضفاف الفرات هناك في الحديثة الحزينة إلى الشمال الغربي من بغداد؟
رئيس قسم الترجمة ـ «البيان»
kamel@albayan.ae