لنعترف بالحقيقة، وننظر إلى سجل الموت العربي، كيف تنامى خلال نصف القرن الماضي إلى شيء مذهل، ومخجل، فقد كانت مقاومة الاستعمار بطولات حقيقية، قادها شرفاء نضال، لكن الوريث جاء بأشكال عجيبة، أقرب إلى الكاريكاتير منه جعل تلك الحقبة قراءة أولى لخلق الأمن والتنمية الوطنية، والقومية..

الجزائر دفعت مليون شهيد، وكانت ملحمة عظمى في التاريخ الإنساني، لكنها عادت لتدفن آلاف السذج من الفلاحين، وعائلات ليس لها دور في صراع الحكومة مع الجبهات المعارضة، والنتيجة مصالحة هشة قابلة لعودة كتابة أرقام جديدة في سجل الموتى..

السودان حرر نفسه بالتراضي في حرب الجنوب مع الشمال، وانفجر غربه في دارفور ولا يزال قتال القبائل وعصاباتها قائماً، وعلى قدر ما نعرف فإن هناك تدخلاً دولياً سوف يكون الخيار الوحيد في حل النزاع، ولو بالقوة، وخارج ما تريده الدولة..

الجبهة الفلسطينية بدأت بالتصدع، ومؤشرات الحرب الأهلية، لا تحتاج إلا لخطأ بسيط فتثور بين فتح وحماس، والضاحك في مسرح المعركة هي إسرائيل التي ستكشف عورة النظام الفلسطيني الهش، وكيف صارت النزاعات خارج مدار توحيد المعركة ضد عدو شرس لتتحول عداءً بين الذين تقاسموا قرص العيش والبندقية، وقطعة قماش لستر العورة..

ذيول الحرب الأهلية في لبنان لا تزال تندرج تحت مسمى المخاطر التي تحفزها جدلية الانقسامات بمن مع لبنان، أو مع سورية؟، والأوائل يرفعون شعاراً تحت شعار من الخلافات العميقة أي أن ما يوحدهم ظرف ما، قد يمزقهم في أي فرصة أخرى، والذين مع دمشق، أو محايدون في خلاف البلدين ينظرون للأمور من زوايا عدم الثقة بالطرف الآخر بناءً على سجل الحرب وما بعدها، والقضية شائكة، وبعيدة عن أي اتفاق أو توافق..

في العراق تحولت (كراتين) الفاكهة والخضار إلى أوعية للرؤوس المقطوعة، أو وجبة (للساديين) الذين يقتلون على الهوية، والمذهب والقبيلة، وكأن العراق مستودع للموت تتوارثه الأجيال عن بعضها..

الصومال خارطة من العجائب، والغرائب، كل يموت حسب هواية وأوامر قادة النزاع، وكما العجز العربي منحهم اليأس من الترياق الذي تصدره الجامعة العربية على شكل نصائح ووضع بعض الثلج على الجروح، فإن ما يجري هناك خارج اهتمام الأشقاء وإهمال القوى الدولية الأخرى..

في هذا العرض العام للصور العربية التي نشهدها كل يوم، نسأل عن نسبة العقلاء للمجانين، وكيف صار القاتل العربي لشقيقه جزءاً من حالة نفسية وعضوية لمجرد أن تبدأ الخصومات على السلطة، ومن يحاور من، إذا كان المجتمعون كلٌ يذهب للحوار بخنجره، أو مدفعه الرشاش؟

بعض الدول كان الاستعمار رحمة لها، والأخرى كانت الدكتاتوريات حاجز أمن عما هو أسوأ، وتلك هي المرآة العاكسة للحالة العربية الراهنة..