قاطعت حركة حماس جلسات الحوار الوطني في رام الله وطلبت من ممثلها عدنان عصفور عدم الحضور واشترطت الحضور بنقل مقر الحوار من رام الله إلى غزة.

وهذا المطلب يؤكد من جديد ان حركة حماس لا تركن إلى قادتها في الضفة المعروفين باعتدالهم وموضوعيتهم، ولا تريد لقادة من الضفة ان يتحولوا إلى مركز ثقل سياسي فيها، ولعل رفضها لوثيقة الأسرى التي خرجت من السجون يرجع في بعضه إلى كون قادة الأسرى الذين صاغوا الوثيقة هم من الضفة وليس بينهم أي قائد من غزة.

فمنذ بداية حكمها لوحظ ان حكومة حماس تتحدث بلهجة غزية وليس فلسطينية ولعل في تصريحات بعض قادتها ووزرائها ما يفيد انهم يتحركون في رؤياهم ضمن غزة فقط وكأنهم اختزلوا فلسطين في غزة وتجاهلوا الضفة.

وأذكر أنني كتبت قبل أقل من شهرين مقالا حول هذه الظاهرة مطالبا حماس بالتحدث بلهجة فلسطينية لكنني سحبت المقال بعد وقوع اشتباكات بين مسلحي فتح وحماس..

لكن أعود إلى هذه النقطة مجددا لأنبه إلى هذه النظرة الضيقة التي تبرز من بعض التصريحات والإجراءات في حماس، لأنها مضرة بالعمل الوطني الفلسطيني ككل وتثير فتنة بين جناحي وطن واحد.. لأن احتكار القيادة والقرار كثيرا ما كان سببا في انهيارات مؤلمة.

بل ان هذه الأحادية تخدم المخطط الإسرائيلي الرامي إلى تجزئة الوطن الفلسطيني وخلق تناقضات في صفوفه، فعندما كتبنا في هذه الصفحة قبل أسابيع حول اللاشريك الجيد والشريك غير الجيد حول موقفي حماس ومحمود عباس السياسيين ذهبنا إلى القول أن خطة اولمرت للانسحاب الأحادي في الضفة وترسيم حدود الكيان الإسرائيلي تبدو مريحة لحركة حماس لأنها ترفض التفاوض..

وهذا الموقف مريح لاولمرت لأنه لا يريد شريكا مفاوضا ويعتزم تنفيذ خطته من جانب واحد.. أما تمسك محمود عباس بأنه شريك ملتزم بخارطة الطريق فهو شريك غير جيد بالنسبة لاولمرت. وقد فاجأ ابراهام هاليفي العضو في الكنيست عن حزب العمل الجميع بمطالبته اسرائيل بمفاوضة حماس على هدنة طويلة الأمد.

وبرر ذلك بقوله ان موقف حماس الرافض للمفاوضات يتفق مع خطة شارون الداعية إلى حل مؤقت طويل الامد.. أي ان ثمة توافقا مصلحيا بين إسرائيل وحماس حول عدم وضع نهاية للصراع. وهذا القول يدل على أن اللاشريك .

وهو حماس يتخذ موقفا مريحا بالنسبة لأولمرت ما يتيح له تنفيذ ما يسميه خطة «الانطواء» دون إزعاج سياسي. ثمة الكثير على حماس ان تفعله سياسيا وداخليا حتى تواصل حكومتها ركوب امواج بحر متلاطم. لعل أهمها الامساك بطرف خيط سياسي يتيح لها مخاطبة العالم بلغة دبلوماسية قابلة للنقاش ولإحراج اسرائيل وذاك يتمثل في القبول بمبادرة السلام العربية ما يعطيها زخما سياسيا ويفتح لها آفاق العمل السياسي دوليا..

لأن رفض المبادرة التي عادت القمة المصرية السعودية التأكيد عليها في الأسبوع الماضي لمجرد ان إسرائيل رفضتها ليس مبررا للرفض بل حافز للقبول بها من منطلق ان إسرائيل ترفضها. وثانيا فإن حماس مطالبة بالتخلي عن النعرة المناطقية وتفضيل غزة على الضفة لأن هذا مقتل أية حركة سياسية عندما تركز كل قياداتها ومركز صنع القرار في منطقة معينة.

لأن الهدف الإسرائيلي من خطة «الانطواء» هو تصدير غزة ومشاكلها إلى مصر وتصدير الضفة ومشاكلها إلى الأردن مع أقل رقعة من الأرض. وتصفية القضية الفلسطينية بهذه الصورة المهينة مع ما يتبع أثناء ذلك من ضرر يلحق بالشعب الفلسطيني الصابر المرابط.

فالأوضاع الداخلية الفلسطينية ازدادت تفاقما مع بداية الحوار بل إن الحوار الوطني الذي بدأ في الأسبوع الأخير من الشهر الماضي تحول إلى سبب إضافي للاختلاف خاصة بعد تهديد الرئيس عباس بعرض وثيقة الأسرى على استفتاء شعبي .

وهو ما رفضته حماس باعتبار ان الاستفتاء يخفي رغبة في قياس مدى شعبية حماس بعد ثلاثة أشهر من «الصوم» عن الرواتب وانتشار الفقر والعوز.

ولعل ابو مازن مصمم على إجراء الاستفتاء باعتبار انه قد يشكل له مخرجا بديلا عن الحرب الأهلية التي تطل برأسها بين الحين والآخر.. فأبو مازن لم يكن في يوم من الأيام داعية حرب لا ضد الاحتلال ولا ضد حماس.

وهو يرى ان الاستفتاء سيضفي شرعية على أية إجراءات لاحقة كحل الحكومة باعتبار أنها عجزت عن تقديم أية انجازات أو القيام بواجباتها أو الدعوة إلى انتخابات مبكرة. فالاستفتاء على وثيقة الأسرى ترى فيه حماس بداية لإسقاط حكومتها ومجلسها التشريعي بالتدريج.