أخبار العراق الأخيرة، مرعبة ومخيفة. أكثر من أي مرة سابقة تثير القشعريرة في البدن والرهبة في النفس. والأخطر ان رسائل التفظيع في القتل الذي حصل، تبعث على القلق العميق والخوف الحقيقي، من أن يكون البلد قد اندفع ـ أو بالأحرى جرى دفعه ـ نحو نقطة اللا عودة، في علاقاته الداخلية وصعوبة اعادة اللحم إلى نسيجه المهدد بالتمزق.

صحيح أن عمليات التقطيع والتبشيع بجثث الضحايا، ليست طارئة على المسرح العراقي، وصحيح أن شلال القتل بالجملة والمفرّق وعلى الهوية لم ينقطع، خلال سنوات الاحتلال الثلاث.

لكن الصحيح أيضاً أن درجة الشراسة والهمجية في القتل ترتفع بصورة تفوق التصوّر. فمن أصل حوالي 50 قتيلاً سقطوا أمس الأول عثر على ثمانية رؤوس فصلت عن أجساد أصحابها ووضعت في صناديق لتوضيب الموز ثم رُميت على قارعة الطريق قرب بعقوبة. وحشية صاعقة. صارت رؤوس البشر كحبّات الفواكه يجري تعليبها في صناديق!

كل يوم في العراق تقع مجزرة. النزيف متواصل. لكن وصول الأمور إلى هذا الحدّ من البربرية يطرح أسئلة وعلامات استفهام كثيرة. ليس فقط من الناحية الأمنية، بل أيضاً على مستوى مصير العملية السياسية وحظوظها في الانطلاق والنجاح؛ وبالتالي على صعيد العراق ومصير واحتمالات رد كأس الحرب الأهلية عن أهله.

السوابق تقول: ان مثل هذه الدموية الكاسرة، ليست معزولة ولا هي انتقامية؛ بقدر ما هي محسوبة ومتعمدة لصبّ الزيت على النار. خاصة وأن من بين الضحايا رجل دين؛ تقصّد الجناة الإشارة إلى اسمه؛ على ورقة تركت بجانب الرأس في الصندوق.

كما أن التوقيت ليس صدفة. فهذا التفظيع المقصود منه اثارة ردود انفعالية، أتى في لحظة تعذر اقلاع الحكومة الجديدة بسبب الخلافات حول تعيين وزيرين للداخلية والدفاع. وكأنه نوع من الاستباق لاشعال الحريق وارباك الساحة أكثر مما هي مرتبكة، لمنع الحكومة من استكمال عقدها وتولي مهامها.

والمقلق أكثر ان مثل هذه المحاولات، كانت دوماً تزيد من التعقيد السياسي وتنجح في ارباك الوضع واغراقه في المزيد من التشكيك والنفور المتبادل بين الأطراف والقوى المعنية. مع أنه بات من الواضح بل المؤكد، إنه بقدر ما تتمادى الأزمة السياسية وتطول، بقدر ما يتمادى الانفلات الأمني ويقوى على الفركشة والعرقلة السياسية. كل جانب يصبّ في تغذية الاخر.

النزيف العراقي يتدفق بغزارة جنونية. لقد طال أمده وفاقت كلفته حدود الاحتمال. اللحمة الاجتماعية والسياسية تتعرض إلى ضغوط التفكيك الهائلة. رؤوس العراقيين يجري فكّها عن أجسامها.

والحال اذا بقيت على هذا المنوال، لا سمح الله يصبح من باب تحصيل الحاصل أن يقع رأس العراق كبلد وكيان تحت سكين التقطيع الذي يتعرض له أبناؤه. فكيف يمكن الصمود ومذابح حديثة والاسحاقية من جهة، ومذابح قطع الرؤوس واعدامها ورميها على الطرقات، من جهة ثانية؟

أقل المطلوب وبعجَل أن يتم اكتمال الحكومة، فهل هذا بكثير في هذا الظرف العصيب الذي يبدو فيه كل شيء على حافة الهاوية؟