كان حل مجلس الأمة في الكويت والدعوة إلى انتخابات جديدة بمثابة الإعلان عن بداية مرحلة جديدة في مسيرة الحياة البرلمانية، إذ سيتسنى للمرأة ولأول مرة في تاريخ الحياة السياسية في الكويت المشاركة في الانتخابات .
ومن هذا التاريخ سيكون بإمكان المرأة منافسة الرجل في الدخول إلى قبة البرلمان الذي ظل يحتكره منذ ان عرفت الكويت الحياة النيابية.
فمن بين 218 مرشحا كان عدد المرشحات نحو 21 امرأة وان هذا قابل للزيادة مما يعكس اهتمام المرأة وحماسها في المشاركة وشعورها أن آن الأوان بعدم ترك الساحة السياسية للرجل بعيدا عن منافسة المرأة والتي لا نبالغ إذا قلنا إنها تمثل أكثر من نصف المجتمع.
فنحن إذاً أمام مرحلة جديدة ستشهدها الكويت في الأيام القليلة المقبلة، تتميز عن غيرها من المراحل السابقة بدخول المرأة حلبة السباق في المنافسة على مقاعد البرلمان، وفي هذه الحالة يثير المراقبون والمتابعون للشأن السياسي عدة أسئلة منها:
هل ستحقق المرأة الكويتية ما عجزت عنه نظيرتها البحرينية بحجز مقعد لها في البرلمان القادم؟ وهل نجاحها سيحقق سبقا برلمانيا خليجيا؟
بمعنى آخر هل ستفوز المرأة الكويتية في ماراثون الانتخابات القادمة أم أن حظوظها في الوصول إلى قبه البرلمان لا يزال يكتنفه الكثير من الصعوبات والمعوقات التي تحول دون تحقيق الحلم الذي ظل يراودها بأن تكون نائباً في مجلس الأمة؟.
في ضوء حمى المشهد الانتخابي الكويتي نجد ان كل المعطيات تشير إلى ان المرأة الكويتية لن تكون أكثر حظاً من المرأة البحرينية، والسبب تشابه الظروف الاجتماعية والسياسية بين كل منهما. ففي الحالة البحرينية نجد ان الدستور عام 2002 أعطى المرأة الحق في الترشح والانتخاب حيث كانت القيادة السياسية متحمسة جدا لمشاركة المرأة.
ومع ذلك لم تتمكن المرأة من الوصول إلى البرلمان بالرغم من دعم الحكومة لها إذ ان الشارع البحريني جاء على عكس هوى الدولة لذلك لم يعط الناخب البحريني صوته للمرأة، بل الأعجب من ذلك ان المرأة نفسها لم تعط صوتها لبنت جنسها.
وإنما فضلت عليها الرجل بسبب تأثير بعض القوى السياسية الدينية المسيطرة على الشارع البحريني التي تحمل في خطابها السياسي والإعلامي مضامين سلبية نحو مشاركة المرأة في العمل السياسي.
كما ان هناك عاملا آخر ترك أثره في هذا الفشل وهو ان بعض المرشحات لا يمتلكن قاعدة جماهيرية، وغير معروفات لدى الشارع البحريني. كما ان البرامج الانتخابية التي طرحت من قبل المرشحات لم تلق صدى واسعا لدى الأغلبية الصامتة.
وفي اعتقادي ان المشهد الكويتي لن يختلف كثيرا عن المشهد البحريني، حيث ان القوى نفسها تتحكم في توجه الرأي العام، بل ربما تكون اشد، اذ أن بعض القوى السياسية الدينية هي التي عارضت وبشدة المشروع الذي تقدمت به الحكومة الكويتية آنذاك بإعطاء المرأة الحقوق السياسية المتمثلة بحقها بالانتخاب والترشح.
لكن بالرغم من تشابه المجتمع في كل من البلدين، إلا ان هناك اختلافا بينهما يتمثل في تركيبة المجتمعين ،فنحن نجد ان تركيبة المجتمع الكويتي تختلف عن تركيبة المجتمع البحريني ،حيث تشكل القبيلة ركنا أساسيا في تركيبة البيت الكويتي وهذا ما لا نجده في المجتمع البحريني مما يضيف عائقاً جديداً يقلل من فرص نجاح المرأة الكويتية.
ولاشك ان هذا العامل يؤثر تأثيره الكبير في الوضع السياسي وخاصة في الانتخابات، بدليل ان إحدى المرشحات تعرضت لضغوط من قبيلتها بالعدول عن الاستمرار بترشيح نفسها وفسح المجال لرجال قبيلتها للترشح بدلاً عنها.
وكما جاء على لسان احد «رجالات القبائل» في معرض تعبيره عن رأيه بترشح المرأة قال:«ان ترشيح المرأة للانتخابات خروج عن تقاليد القبيلة وأنها بذلك تسير وراء سفهاء السياسة».
من جهة ثانية نجد ان نسبة ليست قليلة من النساء الكويتيات يعارضن دخول المرأة المجال السياسي ولا يحبذن مزاحمة المرأة للرجل في هذا المجال لأسباب عديدة ليس هناك مجال للخوض فيها.
والشاهد على ذلك المسيرات التي قادتها المرأة رافعة شعارات مضادة للناشطات سياسياً المطالبات بحقوق المرأة السياسية، وهذه الشريحة من النساء بالتأكيد لن تعطي صوتها للمرأة مما يعني ان المرأة المرشحة ستخسر نسبة ليست قليلة من هذه الأصوات.
ومن اللافت للنظر ان بعض المرشحات لسن من الوجوه التي لها حضور مميز في الشارع السياسي، فهن غير معروفات، ولا يمتلكن رصيداً جماهيرياً يؤهلهن لكسب أصوات الناخبين، لذا فإن حظوظهن بالفوز ستكون ضعيفة.
اما النساء اللواتي لهن نشاطات سابقة في المجالين الاجتماعي والسياسي ولهن دور بارز في المطالبة بحقوقهن السياسية فإن مفردات خطابهن السياسي والإعلامي لا يزال بعيداً كل البعد عن فهم الأغلبية التي تمثل الشارع الكويتي بشرائحه الاجتماعية والثقافية السياسية لهذا الخطاب وخاصة شريحة النساء، وهذا أيضاً سيقلل من فرصهن في ضم هذه الشرائح إلى صفوفهن.
ومع كل المعوقات التي ذكرناها قبل قليل، والتي تصف واقع المشهد الكويتي للانتخابات القادمة إلا اننا سنظل متفائلين بأن الحال سيتغير، والذي حملنا على التفاؤل ان ظروفاً جديدة طرأت على المجتمع الكويتي قد تدفع نحو التغيير لاتجاهات الناخب الكويتي نحو المرأة.
ومن هذه الظروف ما هو داخلي ومتمثل في بعض القوى السياسية الدينية كقوة لها وزنها في الشارع بدأت تظهر مرونة نحو هذا الموضوع، وجاءت هذه المرونة نتيجة إعادة لقراءتها لهذا الواقع السياسي داخلياً وخارجياً والتي بدأت تتحول نحو القبول بمبدأ المشاركة السياسية للمرأة.
وفيما يتعلق بالعامل الخارجي الذي سيلقي بظلاله وتأثيراته في الانتخابات القادمة هو: تأثير الحكومات الغربية والمنظمات غير الحكومية التي تشجع على نشر قيم الديمقراطية، والمساواة وحقوق الإنسان.
والتي بدأت تضغط على دول الخليج عامة في المحافل الدولية وتصدر تقارير عن وضع المرأة في دول المنطقة، كل ذلك قد يدفع بالقوى الجديدة المؤمنة بالقيم الغربية مثل المساواة بين الرجل والمرأة في جميع المجالات بما فيها المجال السياسي وبالتحديد في مجال مشاركة المرأة في الحياة النيابية.
صحيح ان هذه القوى التي -أغلبها من الشباب- ليست بالشريحة الكبيرة، لكن أصواتها ستذهب للمرأة وخاصة تلك التي لديها برامج انتخابية تتوافق مع أجندة تلك القوى التي من الممكن ان تحدث تغييراً جذرياً في تركيبة مجلس الأمة القادم.
على أية حال، فنحن بانتظار اليوم التاريخي وهو 29 الجاري، وهو اليوم الذي ستجرى فيه الانتخابات، والذي بموجبه سيتحدد مستقبل البرلمان الكويتي.
وهنا نتساءل: هل سيخيب الناخبون في الكويت ظن المرأة الكويتية في الوصول إلى قبة البرلمان كما خيب نظراؤهم في البحرين أمل وصول المرأة البحرينية إلى المجلس النيابي؟
كاتب بحريني
