دعت القمة السعودية ـ المصرية في شرم الشيخ حكومة حماس للاعتراف بالمبادرة العربية للسلام بدون أي «تعديل»، وهي مبادرة عربية جاءت من السعودية واعتمدتها قمة بيروت وأكدتها القمم اللاحقة.
وأكد المتحدث باسم الجامعة أنه لا مجال للحديث عن تعديل مبادرة اعتمدها القادة بالاجماع واعادوا تأكيدها في مؤتمرات عديدة آخرها قمة الخرطوم، وهي تمثل الخيار العربي المتفق عليه، وتعتبر أن السلام هو الخيار الاستراتيجي، السلام الكامل مقابل الاعتراف والتطبيع الكامل.
وقال المتحدث باسم الرئاسة المصرية: نحن لا نتحدث عن مطالب للمجتمع الدولي، نحن نتحدث عن مبادرة تعكس الموقف العربي الجماعي من تسوية النزاع العربي الإسرائيلي.
تأتي هذه القمة الاستثنائية في وقت عصيب وصلت فيه الحالة الفلسطينية إلى أدنى دركاتها، الخزينة خاوية، والأفواة جائعة، وآلاف الموظفين لم يتسلموا رواتبهم منذ شهور، والبنية التحتية منهارة، والخدمات الأساسية مقطوعة.
والصراع على أشده بين حماس وفتح، والبطالة مخيفة، والشارع يحتله السلاح بشكل كثيف، ونذر الحرب الأهلية قائمة، والدم الفلسطيني الذي كان يقال انه خط أحمر غير مسموح بتجاوزه قد اخترق والمواجهات الفلسطينية ـ الفلسطينية المسلحة تسقط ضحايا يوميا. ولكل مجموعة مسلحة حكومتها ورئيسها.
تأتي هذه القمة الاستثنائية لتآزر المساعي المبذولة في الساحة الفلسطينية لتقريب وجهات النظر بين حماس وفتح وبقية الفصائل، عبر «الحوار الوطني» على أساس «وثيقة الأسرى»، وهي وثيقة صدرت عن قادة الفصائل في السجون الإسرائيلية ونصت على «اقامة دولة مستقلة، في الأراضي المحتلة عام 1967،.
ووضع خطة للتحرك السياسي وتوحيد الخطاب السياسي على أساس برنامج الاجماع الوطني والشرعية الدولية والشرعية العربية، ودعت الوثيقة إلى تركيز المقاومة في الأراضي المحتلة عام 1967 كما نصت على حق اللاجئين في العودة، وضرورة تحرير الأسرى»، وكان عباس قد هدّد باللجوء إلى استفتاء شعبي في حال تعذّر الاجماع الوطني.
والتساؤلات المطروحة بشدة الآن هي: ما موقف حماس من مبادرة السلام العربية؟ وما موقفها من «وثيقة الأسرى»؟
حماس، تجد نفسها في وضع لا تحسد عليه، يتجاذبها موقفان شديدا التناقض، يريد كل منهما جذب حماس إلى صفّه!
الموقف الأول: الموقف الايديولوجي الرافض لعملية التسوية السياسية عبر المفاوضات، ويمثله محور طهران، دمشق، حزب الله، جماعات الإسلام السياسي وبخاصة «الاخوان».
هذا الموقف تقوم استراتيجيته على دعم العمليات داخل اسرائيل واستمرار إطلاق صواريخ «كاتيوشا» و«القسام» على المستوطنات، وهؤلاء يريدون الجبهة الفلسطينية واللبنانية (مشتعلة) دائماً.. وليس مهماً نوعية الرد الإسرائيلي المدمر والمتوحش، لأن المهم استمرار المواجهة والجهاد إلى آخر نقطة دم فلسطيني.
لقد شهدت مناطق الجنوب منذ أيام تصعيداً خطيراً في إطلاق صواريخ «كاتيوشا»، قرب «صفدة»، أعقبته غارات اسرائيلية على مواقع للجبهة الشعبية، والقيادة العامة جنوب بيروت.
واعدت اسرائيل خطة انتقامية لضرب «بيروت» و«دمشق» لولا عناية الله ولطفه، اذ سارع كل من «رايس» و«عنان» للاتصال بـ «أولمرت» طالبين ضبط النفس فألغيت العملية في اللحظة الأخيرة، لقد كان هدف من استباحوا لبنان في اطلاق الصواريخ، استدراج اسرائيل لضرب موسم الاصطياف اللبناني ولكن الله سلّم.
هؤلاء يريدونها «ملتهبة» خدمة لأهدافهم الخاصة لا القضية، كل فريق عنده مشكلة مع أميركا ويريد حلّها على حساب القضية، انها قميص «عثمان» في العصر الحديث!!
لا يجرأون على استهداف اسرائيل من أرضهم المحتلة ويستبيحون ـ وبدون أي وازع أخلاقي ـ ارض الغير وقد تحررت، فيعرضون الأبرياء للانتقام؟
من عنده الشجاعة فليحارب اسرائيل من أرضه ونحن سنصفق له!! يقول يوسف ابراهيم في «دعوة للموت المجاني:(الجيش اللبناني ومن بعده السوري، رحلا عن لبنان، فلماذا بعد ذلك يجب على أي لبناني أن يقتل نفسه في قتال ضد أي أحد؟!) الاتحاد 2/6.
أما الموقف الثاني الذي يريد استمالة حماس فهو: الموقف الواقعي البرجماتي وتمثله الشرعية العربية والشرعية الدولية، وتعبر عنه «مبادرة السلام العربية» وهؤلاء يسعون لاقناع حماس بقبول المبادرة، أملا في منع نشوب حرب أهلية، وتفادياً لوقوع كارثة كبرى تحيق بالشعب الفلسطيني.
وهو نفس الموقف الذي يسعى إليه «الحوار الفلسطيني» بالوصول إلى صيغة سياسية ترفع الحرج عن حماس، وتعترف بالمبادرة العربية ووثيقة الأسرى دون الاعتراف باسرائيل.
وكانت الآمال كبيرة بقبول «حماس» للمبادرة، وأعطت اشارات ايجابية في بداية حكمها انعشت الامال بتغير موقفها، بل أعلن عزيز الدويك رئيس المجلس التشريعي لمجلة ألمانية، أن الحركة ستدرس اعترافا باسرائيل من خلال استفتاء شعبي ـ السياسة 7/3 ـ وقال وزير الداخلية للشرق الأوسط (مشكلتنا مع الاحتلال لا المبادرة) .
وقال الزهار: ان الحكومة تتجه إلى مبدأ (دولتان لشعبين) عبر الاستفتاء، وتقترح هدنة مقابل الهدوء ـ الحياة 8/4 وبشرّنا الزهار بقرب الإعلان عن الموقف من المبادرة!!
لكن الأمور انقلبت فجأة ونكصت (حماس) على عقبيها، وتراجعت عن موقفها السابق واندفعت للتشدد والتلويح بشماعة «الثوابت» وأصبحت تطالب برفع سقف المبادرة العربية وقاطعت جلسات الحوار الوطني ورفضت الاستفتاء الشعبي وهددت بالتصعيد!
ما الذي دفع «حماس» إلى هذا الموقف المتصلب؟
في تصوري انه الموقف الشمولي الايديولوجي من قبل المحور الأول، اذ نجح في استمالة (حماس) الى صفه بأكثر مما فعلت الدول العربية وذلك لعدة عوامل، منها:
وحدة الأرضية الايدلوجية بين حماس والمحور الشمولي، وأيضاً: التصاعد المستمر في «تديين» الصراع والذي مثله (ملتقى علماء المسلمين بالدوحة)، والذي أعطى حماس «تحصينا دينيا قويا» في موقفه السياسي. وهناك الفضائيات المناضلة التي رفعت درجة السلاح والمقاومة والعمليات الانتحارية الى مرتبة القدسية.
ولا ننسى دور «الفتاوى» التي رأت أن نضال (تدمير الذات) أسمى الجهاد!! وكذلك استمرار الخطاب الرسمي المزدوج بين خطاب عولمي خارجي يتماهى مع الشرعية الدولية وخطاب محلي داخلي تعصبي يجاري الشارع والعاطفية الدينية القومية ويعتبر أي مساس بالقضية (خيانة) و(استسلاما).
حماس محتارة بين مبادرتين: قبول المبادرة العربية وخسران القاعدة الشعبية، أو قبول (الاستفتاء) وتجاوز «الثوابت»، خياران مران وفي تصوري ان الخيار الثاني يرفع الحرج عن حماس.
الآن: «أولمرت» لا يجد شريكاً موثوقاً، وهو عازم على تنفيذ خطته الأحادية، والحالة الفلسطينية خير داعم له. وواشنطن لن تمانع، والقضية في منزلق خطر، فهل يتداعى الأزهر الشريف لعقد مؤتمر يزيل الحرج الديني عن حماس بقبوله المبادرة العربية؟ وهل تنجح دول ذات الفوائض المالية في استمالة حماس إلى صفها؟ وهل نستطيع أن نمنع الكارثة؟!
كاتب قطري