في «لهيب» الكويت، ومع هبوب رياح «البوارح» الشمالية - الجافة والحارقة - المخترقة للصحراء العربية، أخذت المقار الانتخابية تنتصب في ساحات مختلف المناطق إيذاناً ببدء الحملة الانتخابية التي ستستمر شهراً والتي سيكون نهاية مطافها في التاسع والعشرين من الشهر القادم.

والمقار الانتخابية في أيامنا هذه لم تعد كمثيلاتها «أيام زمان»، حيث الخيام المصنوعة من القماش الأبيض السميك والمنصوبة بالطريقة المعهودة، بل أصبحت بيوتاً من الألمنيوم والحديد، جدرانها محشوة بطبقة من عازل حراري تحتوي على التمديدات الكهربائية، وعلى مجاري الهواء الخاصة بالتكييف المركزي.

فضلاً عن مولدات كهربائية ضخمة من أحدث النماذج بتقنية عالية بحيث لا تثير أي جلبة أو ضوضاء قد تزعج مسامع مرتادي تلك المقرات. ولم ينس هؤلاء أن يركبوا في مقراتهم «لواقط» لنقل مباريات كأس العالم جذباً لمحبي كرة القدم وهم الأكثرية.

وأصبح رواد مقرات المرشحين ينعمون (ببوفيه) مفتوح عادة ما يأتي من أحد فنادق الخمس نجوم - حسب إمكانيات المرشح وجهة الدعم له. وينتظر كثير من البنغاليين والهنود وخليط من العمالة الوافدة تلك «البوفيات» للانقضاض على ما تبقى منها متمنين من كل قلوبهم دوام تلك الولائم ومظاهر الانتخابات أكثر ما تكون وضوحاً في شوارع الكويت.

حيث تمتلئ بإعلانات المرشحين، من كل الأحجام والألوان وبإخراج حديث، وبصورهم وقد لعبت فيها يد التقنية الحديثة. وأصبحت الصحف الخمس أكثر سماكة من كثرة إعلانات المرشحين والتغطية للعملية الانتخابية. وقدرت إحدى الصحف حجم الأموال التي ستنفق على هذه الانتخابات بمئة مليون دينار.

وتشوب العملية الانتخابية في الكويت شوائب تجعلها بعيدة عن التمثيل الحقيقي لإرادة الناخبين لعل أبرزها الانتخابات الفرعية التي تجرى بين أبناء القبائل. وحسب القبس (25/5 ) فإن ما نسبته 40% من مجموع الناخبين يشاركون في تلك الانتخابات موزعين على 16 لجنة. وهذه الانتخابات غير شرعية حسب قانون رقم 35 لسنة 1962.

وقد تحركت الحكومة أخيراً لتقديم بعض المنظمين والمشاركين في هذه الانتخابات للنيابة العامة، بعد أن تعالت الأصوات طلباً لمراقبين دوليين للإشراف عليها. ويشك الكثيرون في جدية الحكومة في تطبيق القانون، إذ أكد المرشح محمد الصقر إن «دوريات الشرطة تشرف على هذه الفرعيات بصورة أو بأخرى». ( الرأي العام 1/6)

ولعل شراء الأصوات أضحى مظهراً آخر من مظاهر فساد العملية السياسية في الكويت، وقد استشرت هذه الظاهرة في السنوات الأخيرة حتى غدا الحديث عنها يتصدر الصفحات الأولى من الصحف، ناهيك عن أحاديث الدواوين التي خرجت من الهمس إلى الحديث المكشوف.

خذوا ما نشرته السياسة ( 25/5 ) من أن المفاتيح الانتخابية ( أي الأشخاص الرئيسيين الذين يعتمد عليهم كل مرشح ) أخذوا بارتياد الدواوين وعرض 500 دينار للصوت الواحد، فضلاً عن رسائل الـ SMS التي أخذ البعض يتلقاها وفيها مثل ذلك العرض!!

وفي استبيان أجرته القبس (24/5) اعترف ( 34 في المئة ) بأنه دفع رشوة لشخص آخر، واعترف أكثر من 13 بالمئة بأنهم مرتشون، بل هم الذين طلبوا أموالاً، في حين أكد أكثر من 45 بالمئة ممن استطلعت آراؤهم بأن شخصاً ما قد حاول رشوتهم!!

إلي جانب تلك الصور المؤلمة التي تؤدي إلى الإحباط، ثمة صور مشرقة تبعث الأمل والتفاؤل لعل أبرزها دخول المرأة في معترك العملية السياسية. فإلى الآن رشحت أكثر من عشرين كويتية أنفسهن لخوض الانتخابات القادمة، ولم يقتصر الترشيح على المناطق الحضرية، بل تعداه إلى المناطق القبلية.

والغريب في الأمر أن القوى السياسية على مختلف اتجاهاتها لم تدفع بعناصرها النسوية إلى الترشيح اللهم إلا تجمع الوفاق(وهو تجمع شيعي).

وإذا كان الأمر غير مستغرب من السلف والإخوان، التجمعين اللذين ناصبا حقوق المرأة العداء، وظلا إلى آخر لحظة ضد نيلها حقوقها السياسية، فإن المستغرب هو موقف المنبر الديمقراطي والتحالف الوطني وهما يمثلان تيار الحركة الوطنية الذي ناضل أكثر من أربعة عقود مطالباً بتلك الحقوق!!

إن التوقعات تشير إلى أن المرأة الكويتية لن تستطيع الفوز حتى على مقعد واحد من المقاعد الخمسين التي يتكون منها مجلس الأمة الكويتي. بيد أن الانتخابات دائماً تحمل المفاجآت، وقد أظهر استبيان أجرته القبس على عينة من قرائها (27/5 ) أن 41 بالمئة منهم سيقترعون للمرأة.

ولعل ما يثلج الصدر موقف الكثير من الرجال تجاه ترشيح المرأة للانتخابات وبالذات موقف بعض أزواج المرشحات الداعم لترشيحهن. تنقل القبس (30/7) عن زوج المحامية هند الشيخ واسمه هادي العجمي.

وهو تاجر، بأنه سعيد بترشح زوجته للانتخابات وسيدعمها بكل ما أوتي من قوة. والواقع أن صوت المرأة صوت حاسم في هذه الانتخابات التي زاد عدد الناخبين فيها من 130 ألفاً في آخر انتخابات إلى 334 ألف ناخب وناخبة في هذه الانتخابات المزمع إجراؤها قريباً.لن تخلو هذه الانتخابات من ظواهر ومفاجآت جديدة ستكون مادة لتحليلاتنا الاجتماعية والسياسية.

كاتب كويتي

alyusefi@hotmail.com