ما جرى في لبنان في اليومين الماضيين يستلزم وقفة وسؤالا حول المصير الذي يذهب إليه هذا البلد الذي لم تندمل بعد جراحه.
إذ إنه بالرغم من كل المؤشرات التي دلت منذ توقيع اتفاق الطائف على معافاته من الحرب الأهلية وفتح صفحة جديدة في العلاقة بين أبنائه، نجد أن أقل حادثة، ومهما كانت بسيطة تضع البلد على شفير الهاوية من جديد ويعود الاصطفاف الطائفي والمذهبي والمصلحي إلى سابق عهده.
بالأمس كاد لبنان يشتعل, والسبب نشر إحدى وسائل الإعلام المرئية برنامجا ساخرا تناول أحد الرموز الدينية والسياسية المعارضة للغالبية النيابية الحاكمة، وأبعد من الإساءة الحاصلة للمقامات الدينية والسياسية أو المناداة بحرية التعبير.
فإن ما شهدته بيروت وضواحيها ومناطق لبنانية أخرى، تخطى مجرد الاحتجاج على حلقة تلفزيونية، ليطرح أكثر من علامة استفهام حول مدى هشاشة السلم الأهلي الداخلي، خاصة في ظل انفلات العصبيات والغرائز والأحقاد الطائفية والمذهبية، وتحول لعبة الشارع إلى لعبة خطرة بيد الجميع بحيث يمكن أن تضع البلد في لحظة ما على حافة المجهول السياسي والأمني.
ما تناقلته وسائل الإعلام اللبنانية عن شباب تنادوا لحماية مناطقهم، أخطر مما شهدته الأيام الأخيرة، ففيها عودة إلى الأمن الذاتي الذي كان مقدمة للحرب الأهلية في أبريل 1975م، وهي فرصة للعابثين بأمن البلاد لدفع الآخرين إلى التماثل بهذه الحفنة. وكل ذلك يصب في غير مصلحة لبنان.
هذه الدعوات بينت أن لبنان بدا مكشوفا، عبر افتقاره إلى صمامات الأمان الداخلية وإلى الدولة ورجالها وكل ما يمكن أن يشكل جسر تواصل بين اللبنانيين، وترسخ الانطباع مجددا بأن ما حصل يمكن أن يتكرر وربما بطريقة مأساوية أكبر إذا لم تتحمل قيادات البلد مسؤولياتها، وهي القيادات نفسها المدعوة في الثامن من الشهر الجاري إلى طاولة الحوار الوطني.
والسؤال المطروح حاليا هو:هل سيتم اجتماع المتحاورين في مكانه وزمانه المحددين؟ وإذا ما انعقد فما هي المواضيع التي ستناقش؟ وهل ستدار العملية الحوارية بالمنطق الذي بدأته وتم التوصل فيه إلى مراحل هامة كان أبرزها الموافقة على ترسيم الحدود مع سوريا وتبادل التمثيل الدبلوماسي مع دمشق؟
كل المؤشرات تدل على أن شيئا من هذا لن يحصل والاجتماع نفسه مرشح للتأجيل إذا لم تطرأ تطورات من شأنها تخفيف الاحتقان الشارعي وعدم انعكاسه على طاولة المتحاورين.