«.. إن ما جرى قد جرى ولا فائدة من الوقوف عنده والبكاء على أطلاله، والأهم منه الآن هو الصمود والمقاومة والاستعداد للقتال لتحرير الأرض وإزالة آثار العدوان.
وأمام خيار الاستسلام أو النضال فإن أمامنا طريقا واحدا هو النضال وسوف نقاتل ولن نسلم أبدا.. فإن ما أخذ بالقوة لن يسترد بغير القوة «.. بهذه الكلمات في أعقاب الخامس من يونيو الأسود عبر «جمال عبد الناصر« عن إرادة الشعب المصري تعبيرا عن خيار الشعب العربي برفض الهزيمة والتصميم على القتال ثأرا للكرامة العربية وحدد الطريق إلى تحرير الأرض.
إن ما حدث في الخامس من يونيو عام 67 في ستة أيام، وما حدث بعده في السادس من اكتوبر عام 73 بعده بست سنوات يدلل على أن حركة تاريخ الشعوب لا تعرف التوقف أمام هزيمة ولا تكف عن السير طلبا للنصر، لكن الشعوب بعدها هي التي عليها أن تتوقف أمام أيامه الفاصلة ومحطاته البارزة.
في أيام معاركها الكبرى سواء في الهزائم أو في الانتصارات، وفى مراحل التحولات الكبرى سواء في محطات البدايات أو النهايات.
وبعيدا عن الجدل الفارغ بعد الخامس من يونيو بين ثقافة الهزيمة وثقافة المقاومة، حول ما إذا كان التوصيف لما حدث «نكسة» أم «هزيمة»..
وبعيدا عن الجدل الفارغ بعد السادس من أكتوبر بين دعاة الاستمرار في حالة الهزيمة ودعاة ثقافة النصر، حول ما إذا كانت حرب أكتوبر المجيدة هى «حرب تحرير» أم «حرب تحريك»، فإن الحقيقة الأكيدة هى أن الشعب المصري والعربي لم يستسلم لهزيمة في عام 67 واستطاع تحقيق نصر فى عام 73.
ومسيرة التاريخ لكل شعب من الشعوب حافلة بأيام النصر الحلوة وساعات الهزائم المرة، وبآمال الطموحات الصاعدة وآلام الانتكاسات الهابطة، والكل في الحالتين على مدى القرون سواء، فقد واجهتها الإمبراطوريات الكبرى كما عايشتها الدول الصغرى.
تلك هي طبيعة أيام التاريخ التي شاءت سنة الله في الكون أن تتباين وأن تتوالى وأن يداولها بين الناس، لتكون دولا، يوم لنا إذا توحدنا وناضلنا ويوم علينا إن تفرقنا أو استسلمنا، هي تلك الأيام التي تطل علينا في كل فصل وكل عام، وفى كل عصر وكل مصر، بشمسها وغيمها، بصقيعها وحرارتها، بحلوها ومرها و بهزائمها وانتصاراتها.
والأمة الواعية هى التي تقف مع نفسها في ذكريات هزائمها لمعرفة أسبابها والتعلم من دروسها، تماما مثلما تحتفي مع شعبها في أيام انتصاراتها لمعرفة شروطها وتأكيد نتائجها.. وربما كانت أهمية الوعي بأسباب الهزيمة هي المقدمة الضرورية للقدرة على تحقيق النصر.
.. ومهما كان حجم ما جرى، فإن ما جرى قد جرى اتساقا مع أسباب للهزيمة في جانبنا قد توفرت و نبقى مسؤولين عنها، وشروط للنصر العسكري في جانب العدو قد تحققت ويبقى جديرا بها.
وبشجاعة الرجال قبل جمال عبد الناصر مسؤولية الهزيمة، وأعلن تنحيه عن القيادة و استعداده عن قناعة بمسؤولية الحساب، ولم ينس أن يستنهض إرادة المقاومة لدى الشعب المصري الذي رفض استقالته رفضا للهزيمة وكلفه بالاستمرار في القيادة طلبا للنصر، مذكرا قوى العدوان الاستعمارية أن عبدالناصر لم يكن وحده هو عدوها وإنما كان الشعب العربي كله .
وأن نضال الشعب المصري الذي بدأ قبل عبد الناصر، سيستمر بعد عبد الناصر حتى تحرير الأرض وإزالة آثار العدوان.. كل آثار العدوان في فلسطين وجنوب لبنان وفى العراق والجولان.
إن درس النصر الذي تحقق في أكتوبر عام 73 على الجبهتين المصرية والسورية بعد درس الهزيمة التي وقعت في يونيوعام67 على الجبهات المصرية والسورية والأردنية يؤكد أن مساحة من أرضنا يمكن أن تسقط لفترة من الزمن في قبضة الاحتلال، لكننا نبقى قادرين على تحريرها واستعادتها مهما طال الزمن، طالما أن مساحة من إرادة المقاومة فينا غير قابلة للسقوط.
وحتما ستشرق شمس العرب مهما كان من غيم الشتاء، فهكذا تتعاقب الفصول، ونحو الحرية تتجه حركة التاريخ ما بقى الشعب يرفض الهزيمة ويقاوم الاحتلال.. والمهم أن نتعلم من هزائمنا لنصنع انتصاراتنا.
mamdoh77t@hotmail.com