من الأمور التي تشعر المرء بقيمة الحرية التي يحياها، منظر ثلة المحبوسين والموقوفين في سيارات وحافلات الشرطة، التي تنقلهم من مركز السجن إلى سلطات القضاء أو جهات أخرى يكونون مطلوبين لديها.
مبعث التشبث بهذه الحرية والشعور بقيمتها هو ما نراه في عيون أولئك الذين تفصل قضبان حديدية بينهم وبين أولئك الذين يسيرون على الطريق، نظرات لا نعرف معانيها حقا، فهل هي مليئة بالحسرة على ما كان بين أيديهم وفقدوه، أم تحمل حسدا للسائرين لما يملكون من حرية طارت منهم ولم يعد في الإمكان الإمساك بها، أم هو شعور بتمني عودة الأيام إلى الوراء فيصبح لكل شيء شأن آخر.
حقاً كم هي جميلة بل رائعة الحرية التي نحياها ونمارسها من غير قيد وأيضا من غير الإساءة إليها أو الآخرين، حرية لا نراها في إعطاء الظهر للبيت والخروج من بوابته والبقاء خلف أسواره، بل أن يكون قرار اتخاذ ذلك بيديك، تخرج ما تشاء تنام وقتما تريد، تأكل ما تشتهي و ترفض ما لا يروق لك.
فلربما أردت البقاء في البيت و فعلت ذلك ولم تخرج منه لأيام، في ذلك أيضا حرية مارستها بملء إرادتك ولم يملها عليك أحد، تلك هي أبسط أنواع الحريات التي تجر وراءها حرية التفكير والإبداع والتعبير، حرية كيفما أردت العيش وحرية تسمية أبنائك وممارسة حريتك طالما كانت بعيدة عن إلحاق الضرر بالآخرين.
هي نعم ننعم بها ونحياها، ولكن ربما لم نتوقف عندها لأننا ببساطة نعيشها على شكل روتين يومي وممنوحة لنا ولا نحتاج للمطالبة بها.
حرية حري بكل فرد ليس التشبث بها فحسب بل الحفاظ عليها بكل ما أوتي من قوة وعدم التفريط فيها باعتبارها نعمة نفيسة غير متاحة أمام الجميع، وليس كائن من كان مؤهلا لممارستها والتمتع بما تحتويه.