في أبريل عام 2004 هزت فضيحة تعذيب المعتقلين العراقيين في سجن أبوغريب البيت الأبيض و مبنى وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون)، قبل أن تتحول إلى مادة ثرية للمشرعين الأميركيين وخاصة الديمقراطيين في الكونغرس لإجراء تحقيقات واستجوابات، بدت نوعاً من الدفاع الفاشل عن صورة مزيفة للجندي الأميركي الذي قيل انه جاء محرراً، وباحثاً عن الورود والطبول في ربوع بغداد.

وقتها حاول الرئيس الأميركي جورج بوش ووزير دفاعه دونالد رامسفيلد التأكيد على أن الفضيحة من صنع قلة مارقة من الجنود الذين لطخوا شرف العسكرية الأميركية، وان المسؤولين عن هذا العار سيقدمون إلى العدالة... لكن ماذا حدث؟!

لم نر تلك العدالة تطبق سوى على عدد محدود من صغار المجندين والذين ظهرت صورهم إلى جوار معتقلين في أوضاع مزرية ومخجلة وهم يتلذذون بتعذيب ضحاياهم.

هذه العدالة العرجاء التي حجبت المساءلة عن كبار القادة العسكريين رغم تأكيد المجندين أنهم كانوا ينفذون الأوامر، دفعت منظمة مراقبة حقوق الإنسان الأميركية (هيومن رايتس ووتش) إلى إصدار تقرير عشية الذكرى الأولى لفضيحة أبوغريب حمّلت فيه، المسؤولية المباشرة لقادة البنتاغون، وفي المقدمة منهم رامسفيلد عن الانتهاكات والجريمة التي وقعت بحق المعتقلين العراقيين.

وقالت المنظمة الحقوقية في تقريرها، إن الانتهاكات التي ارتكبت في سجن أبو غريب مجرد نقطة في بحر من إساءة معاملة الولايات المتحدة المعتقلين سواء في العراق أو خارجه.

ويبدو أن السلوك السيئ بات قرينا بالجندي الأميركي، وان حاول البنتاغون تجميل الصورة ببضع رتوش هنا أو هناك، فها هي مجزرة حديثة تكشف عن فضيحة جديدة بقتل جنود مشاة البحرية الأميركية (المارينز) 24 مدنياً عراقياً بدم بارد، انتقاما لمقتل أحد زملائهم، وأظهرت التحقيقات الأولية الأميركية أن قتل هؤلاء المدنيين لم يكن مبرراً.

الفضيحة الجديدة حركت مياهاً آسنة في بحيرة الانتهاكات الأميركية بحق المدنيين العزل، خاصة أنها ترافقت مع مقتل أكثر من عشرة أفغان خلال احتجاجات على دهس دبابة أميركية لعدد من ركاب سيارة في كابول.

وكما يقول العرب ما أشبه الليلة بالبارحة، ها هو الرئيس الأميركي يبدي «انزعاجاً» لما جرى في حديثة، ويتوعد بمعاقبة كل من يكشف التحقيق أدلة مخالفته للقانون، وهي نفس الكلمات تقريباً التي قالها عندما تفجرت فضيحة أبو غريب، فهل يصل العقاب إلى الكبار الذين جعلوا الجندي الأميركي يتلهى بأرواح المدنين، على شاكلة رعاة البقر في الغرب الأميركي؟!

نريد أن نرى يد العدالة تمتد إلى المسؤولين الحقيقيين عن تكرار الجرائم بحق المدنين العزل، وان نرى ضباطا كبارا خلف قضبان تلك العدالة التي توعد المسؤولون الأميركيون بتطبيقها.

نشك في ذلك في ضوء التقرير الذي أصدرته منظمة العفو الدولية قبل أيام عن أوضاع حقوق الإنسان في العالم لعام 2005، والذي فضح الانتهاكات الأميركية في كل من العراق وأفغانستان وغوانتانامو والسجون السرية في بعض الدول في إطار ما تسميه واشنطن الحرب على الإرهاب.

واظهر التقرير إلى أي مدى تتعامل الولايات المتحدة بازدواجية في ملف حقوق الإنسان، فهي ترفع شعارا براقا عن الديمقراطية واحترام حقوق الإنسان في الوقت الذي تنكل فيه بالمعتقلين دون أي رادع من قانون أو أعراف.

وفيما يخص العراق اتهم تقرير العفو الدولية القوات الأميركية باللجوء إلى القوة المفرطة، وتعذيب مدنيين وقتلهم من دون وجه حق، فضلا عن اعتقال الآلاف بصورة تعسفية، ووضعهم في السجون، من دون أن يحصلوا على محاكمة عادلة، تثبت إدانتهم أو براءتهم فيما هو منسوب إليهم.

نحن إذن أمام سلوك أميركي يتبنى الانتهاكات وان سعى إلى تبريرها، تارة بالقول إن مرتكبيها قلة منحرفة، أو أن تلك التجاوزات تتم على أيدي بلدان تقوم بالتعذيب بالوكالة، رغم أن تلك الممارسات تشكل وصمة عار في جبين الأميركيين وان تنصل البعض منها.