لا أعرف لماذا يصر البعض على إغماض العيون، ثم الزعم بأن ما لا يراه هو غير موجود! يغمض البعض العيون عما تعيشه مجتمعاتنا في الداخل ثم يطالبنا بأن نقف صفاً واحداً لنغني معا: كل شيء جميل!!

ويغمض البعض العيون عما يعيشه العراق ويتغنى بالحرية التي تحققت، ويعد بالازدهار والتقدم، وهو يعرف قبلنا حجم المأساة ويدرك ـ مع ذلك ـ أنها المقدمة لمأساة أكبر حين يتكرس التقسيم على نهر الدماء لتطهير المناطق من الأعداء (السنة هنا والشيعة هناك.. الخ).

وها هي المأساة تتكرر، وبصورة أشد خطراً على أرض فلسطين . ففي ظل الحصار وحرب التجويع التي تفرضها أميركا وينساق العالم الغربي وراءها لمعاقبة الشعب الفلسطيني على أنه صدق أكذوبة أن الديمقراطية هي رسالة أميركا وحلفائها إلى العالم ..

في ظل الحصار الظالم وحرب التجويع الصارمة يتم إعداد المسرح لكي تتمكن إسرائيل من فرض الحل المنفرد والاستيلاء على نصف الضفة الغربية لتضيفها إلى القدس التي يتم تهويدها.

ومع فرض التنازل عن حقوق اللاجئين في العودة لوطنهم المسلوب، يتم تحويل غزة وما يتبقى للفلسطينيين من أرض الضفة إلى «شتات » من نوع جديد، ويتم تحويل الباقين على أرض الضفة والقطاع إلى «لاجئين» في كانتونات معزولة، ربما ترفع علم «الدولة »ولكنها لا تملك من مقوماتها شيئاً، وتتحول قضية فلسطين من قضية شعب يبحث عن الحرية والاستقلال، إلى مأساة إنسانية يتم التعامل معها بتقديم المعونات الخيرية.

هذه الحقائق وغيرها معروفة لكل الفصائل الفلسطينية. وبعضها لا يعيش فقط مأساة الحصار، ولكنه يتعرض للقتل المنظم لكوادره على أيدي القوات الإسرائيلية، ثم يجد نفسه ـ وهذه هي المأساة الأكبر ـ أمام مواجهة داخلية يحشد لها الفصيلان الأكبر «حماس» و»فتح »السلاح والرجال.

ورغم الأحاديث الجميلة عن حرمة الدم الفلسطيني على البندقية الفلسطينية فإن صدامات قد وقعت ودماً قد سال، ورغم جهود التهدئة فإن الأصابع (في الجانبين) على الزناد.

ورغم التفاوض أو الحوار الذي تشارك فيه كل الفصائل الآن فإن الانقسام واقع، ولن تنفع في مواجهته ترديد مقولات إن العناصر المشبوهة هي التي تتحمل المسؤولية أو إن ما يحدث هو خلافات فردية..

فالأمر أعقد من ذلك وبدون مواجهة حاسمة لأوجه الخلاف، ومعالجة الانقسام الواقع في الساحة الفلسطينية كلها، فإننا أمام «نكبة» قد تكون هي الأفدح في مسيرة نضال شعبنا الفلسطيني.

الخلاف ليس على اختصاص هذا المسؤول أو ذاك، ولو كان الأمر كذلك لما كانت هناك مشكلة حقيقية، لكن الخلاف على منهج كامل في التعامل مع القضية الوطنية: منهج «أوسلو »وملحقاته والذي اعتمد التفاوض وسيلة لإقرار التسوية حتى وإن لم ينجح هذا المنهج على مدى خمسة عشر عاما في تحقيق الهدف، ونهج يصر على المقاومة المسلحة للاحتلال ويرفض التنازلات ويتمسك بالحق التاريخي الكامل في فلسطين.

الخلاف جوهري وأساسي، وهو قائم منذ أوسلو ومع قيام السلطة الفلسطينية. وقد تمت «تصفية »أبو عمار نفسه لأنه حاول المحافظة على قدر من التوازن بين الاتجاهين تكون فيه المقاومة بأشكالها المختلفة سلاحاً يمكن استخدامه لدعم عملية التفاوض.

رحل عرفات وترك وراءه هذا الموقف الملتبس. فأبو مازن وهو مهندس أوسلو لم يخف يوماً معارضته لعسكرة الانتفاضة وإصراره على أن التفاوض وحده هو الذي سيؤدي إلى الحل.. ومع ذلك فكل ما حصل عليه هو القبول الأميركي والإسرائيلي بالتعامل معه والحديث إليه وتقديم وعود المساعدة، ثم.. لا شيء على الإطلاق في طريق الحل!

على الجانب الآخر فإن جناح «المقاومة »يدرك جيداً صعوبة الموقف. وهو لم «يتطوع »بالاتفاق على التهدئة والالتزام بالهدنة حتى مع استمرار إسرائيل في اعتداءاتها الوحشية، وإنما جاء قراره من قراءة الواقع في ظل أحداث 11 سبتمبر وغزو العراق، ووصول التحالف الإسرائيلي الأمريكي إلى درجة الشراكة الكاملة، ووصول الضعف العربي إلى حالة غير مسبوقة.

وتجيء الانتخابات التشريعية ونتائجها لتقلب كل الأوراق، وتصعد بحماس للسيطرة على البرلمان والحكومة، وينشأ الصراع المرير الحالي بين حماس والرئاسة، وهو ليس صراعاً على اختصاص هنا أو هناك ولكنه أبعد من ذلك فقد كان «القرار»الفلسطيني منذ إنشاء السلطة في يد «فتح»®.

والآن، وبعد تغير الخريطة السياسية يدور الصراع بكامله على «القرار »الفلسطيني ومن سيسيطر عليه، وإلى أي وجهة سيتم الحسم : نحو استئناف مسيرة أوسلو رغم خيباتها.. أو «المواجهة »رغم مخاطرها؟!

والسؤال الذي يطرح نفسه «هل يملك أحد الفريقين حسم الصراع لصالحه في هذه المرحلة ؟ إن كل فريق يحتشد وكأن صداماً شاملا سوف يقع رغم كل الحديث عن حرمة الدم الفلسطيني !

ووزير الداخلية لا يطمئن لقوات الأمن فينشئ قواته الخاصة ! والرئيس الفلسطيني أبو مازن يرد بالإعلان عن التوسع في قوات الرئاسة عدداً وسلاحاً ! وتتوالى التسريبات عن تهريب أسلحة لهذا الجانب أو ذاك، وعن تمويل خارجي، وعن تجنيد للأنصار ومعسكرات للتدريب.. الخ.

وقد يكون كل ذلك من باب الرسائل التي يوجهها كل فريق للآخر حتى يبقي التوازن الموجود على حاله، ولكن من يضمن في ظل أوضاع داخلية سيئة، وفي ظل حالة استنفار تتصاعد، وفي ظل عدو يتحكم في العديد من مفاتيح الموقف.. من يضمن ألا ينجر الجميع إلى المحظور لتقع الكارثة؟

إن جهوداً كبيرة ومستمرة تبذل ـ بمشاركة مصر ـ لضبط الوضع الأمني ومنع الانجرار إلى الصدام الواسع.. ولكن القضية لا يمكن أن تظل محصورة في النطاق الأمني فقط، وهنا تبدو أهمية الحوار الشامل بين الفصائل .

والذي ينبغي أن يصل إلى برنامج عمل للمرحلة المقبلة لمواجهة المخططات الإسرائيلية لفرض أمر واقع جديد وخطير. برنامج عمل يراعي الخلافات ويركز على الآفاق المشتركة بين الفصائل، ويوزع الأدوار بين الجميع، ويفرض نوعاً من القيادة الجماعية الموحدة للعمل الفلسطيني في هذه المرحلة.

ولا أظن ان مثل هذه المهمة يمكن إنجازها بدون مشاركة عربية فعالة من كل الأطراف الأساسية، تستثمر فيها العلاقات العربية مع الأطراف الفلسطينية للخروج من هذا المأزق قبل أن تقع الكارثة وتستباح الدماء الفلسطينية بالبنادق الفلسطينية!

إن المخاطر هائلة ومتعددة، والصدام ممكن في أي لحظة، ولكن أتوقف عند خلاف أخير في الحوار بين الفصائل، حين أصرت «حماس »على نقل جلسات الحوار إلى غزة وتمسكت فتح بإبقائه في «رام الله » وقد يكون الخلاف مصطنعاً بهدف تعطيل الحوار كما قال البعض، وقد يكون له أسبابه المقبولة عند الطرف الآخر، ولكن المعنى في النهاية خطير.

فنحن هنا أمام فريقين كل منهما يريد اللعب على أرضه وبين أنصاره. حماس تعتقد أن لها السيطرة على غزة، في المقابل فإن الموقف في الضفة هو لصالح «فتح» وحلفائها. الكارثة أن تسير الأمور، في الطريق الخطأ حتى النهاية، فنجد «كانتون «غزة تحت سيطرة حماس، و«كانتون »الضفة تحت سيطرة فتح، وفلسطين كلها في مهب الريح.. الإسرائيلية!!

فهل يظل البعض منا معتصماً بسياسة إغماض العيون عن الخطر القريب متصوراً أن النار إذا اشتعلت ستظل محصورة في مكانها؟

نقيب الصحافيين المصريين