وأخيراً تراجعت واشنطن أمام طهران في المعركة الدبلوماسية الشرسة التي أشعلتها إدارة بوش بشأن البرنامج النووي الإيراني. فما هو الدرس الذي يستخلص؟

لقد تصاعدت واشنطن بالأزمة التي ابتدرتها إلى مستوى حافة الحرب الساخنة، وأرادت بذلك اختبار قوة بين الولايات المتحدة وإيران لتكتشف أن إيران ليست العراق أو أفغانستان.

وهكذا أثبت النظام الإيراني الحاكم أن بوسع دولة من العالم الثالث أن تتحدى القوة العظمى وتجبرها على التراجع.

ثبات القيادة الإيرانية عند موقفها الرافض لأية مساومة حول برنامجها النووي لم يكن تهويشاً فارغاً أو تهوراً غير منضبط. لا. لقد كان ولا يزال موقفاً مبنياً على حسابات جيو ـ بوليتيكية دقيقة.

ليس معنى هذا أن إيران وضعت نفسها على مستوى الندية الكاملة مع القوة العظمى. فلا مجال للمقارنة بين الطرفين.

القيادة الإيرانية درست تضاريس ساحة الصراع الدولي مسلحة بإرادة حديدية وبصيرة نافذة ودرجة عليا من الوعي السياسي، ودرست من ناحية أخرى مواطن قوتها الاستراتيجية كدولة ناهضة، واستخلصت من كل ذلك أن من المتاح لها تحدي القوة الأميركية العظمى بهامش ضئيل من المخاطرة.

أول استخلاص توصلت إليه القيادة الإيرانية هو أن عالم اليوم عالم متعدد الأقطاب وليس عالماً أحادي القطبية كما تروج عصابة «المحافظين الجدد» وتردد نغمتها القيادات العاجزة في العالم الثالث.

ولأن تعدد الأقطاب يعني تعدد المصالح المتضاربة والمتناقضة فإن القيادة الإيرانية لم تشأ أن تقدم على تحدي الولايات المتحدة إلا بعد أن استوثقت من ربط مصالح روسيا والصين مع المصالح الإيرانية. وذهبت أبعد من ذلك فعرضت من الإغراءات المصلحية على دول الاتحاد الأوروبي ما يجعل هذه الدول تفكر أكثر من مرتين في مدى جدوى تحالفها مع الولايات المتحدة.

وبالطبع تدرك القيادة الإيرانية طبيعة الوضع داخل إيران نفسها مستوثقة من أن أول شروط مواجهة النظام لقوة خارجية عظمى متانة الجبهة الداخلية وتلاحمها، ومدى استعداد القاعدة الشعبية للالتفاف حول القيادة في المواقف المصيرية.

هذا على الصعيد الاستراتيجي. أما على الصعيد الظرفي الآني فإن إيران ترى كما يرى العالم بأسره المآل المخزي الذي صارت إليه الولايات المتحدة في كل من العراق وأفغانستان وانعكاس هذا المآل على الوضع الداخلي الأميركي، فالحزبان الكبيران لا يكفان عن التنابز بالألقاب والقوى المناهضة للحرب تؤجج الشارع والرئيس يفقد رصيد شعبيته على نحو متواتر.

من طهران كانت القيادة ترى الكتابة على الحائط الأميركي من خلال تصريحات لكل من محمد البرادعي مدير الوكالة الدولية للطاقة الذرية وخافيير سولانا مسؤول السياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي، فبينما جاهر البرادعي بالقول للمرة الأولى بانتقاد الغزو الأميركي للعراق محذراً من خطأ مماثل تجاه إيران فإن سولانا أعلن ببساطة أن إيران أصبحت قوة دولية.