في الوقت الذي أعلن فيه الرئيس الاميركي جورج بوش عن تصميم الولايات المتحدة الاميركية على التصدي لمخالفة جنودها للقواعد الاخلاقية في العراق، كانت هيئة محلفين عسكريين تقرر عدم معاقبة جندي أميركي بالسجن لأنه استخدم كلبا متوحشا لترهيب سجناء عراقيين في سجن أبوغريب.

إذا عن اي اخلاق يتكلم الاميركيون ، اذا كانت التصريحات تنطلق حول المعايير الاخلاقية والاحكام الصادرة بحق المتورطين في اعمال ضد الانسانية يجري تعطيلها ، هل هي لعبة اعلام او علاقات عامة ضمن الحرب النفسية للتأثير في معنويات الخصوم، أو هي محاولة لتحسين وجه الولايات المتحدة كدولة وإسناد الجرائم إلى (اخطاء فردية غير مقصودة) ويتصاعد الشعور بالأسى والغضب مع اكتشاف تفاصيل مذبحتي حديثة والإسحاقي ، حيث اطلق الجنود الاميركيون النار على الاطفال والنساء والشيوخ العزل بعد ان انفجرت عبوة ناسفة في احد جنود الاحتلال وقتلته.

وماذا لو لم يعرض تليفزيون بي بي سي صور الضحايا الذين قتلتهم القوات الاميركية بدم بارد ؟ هل كان الاميركيون سيعترفون من تلقاء انفسهم بارتكابهم هذه الجرائم؟.

الحقيقة التي لا مراء فيها ان القوات الاميركية ترتكب جرائم ابادة بحق المدنيين العراقيين كنوع من الانتقام لمقتل جنود التحالف على ايدي مقاومين مجهولين، فأين المعايير الاخلاقية أو قوانين حماية المدنيين اثناء الحرب التي وردت في معاهدة جنيف؟

وقد قدم احد مكاتب حقوق الانسان في العراق قوائم طويلة لحالات مماثلة لمذبحتي حديثة والاسحاقي ، لكن لأن ضحايا هذه القوائم لم يجدوا من يلتقط صورهم او ينقل قضيتهم الى العلن فهم سيظلون مجهولين الى ما شاء الله.

ولعلنا هنا امام سبب واضح من اسباب رفض الولايات المتحدة التوقيع على وثائق محكمة جرائم الحرب الدولية ورفض واشنطن القاطع ان يمثل جنودها امام محكمة دولية من هذا النوع ، ذلك لأن القتل على هذا النحو هو عقيدة قتالية تدرب عليها الجندي الاميركي وليست تصرفا منفردا، حيث يعتقد الجيش الاميركي وقيادته ان هذا الاسلوب الوحشي المتمثل في قتل مدنيين يؤدي الى الضغط على المقاومين او معاقبتهم على قتل الجنود الاميركيين.

وقد اوردت بعض مصادر الانباء في تبرير هذه الوحشية ان الجيش الاميركي علم بوجود (احد الارهابيين) في المكان فهاجم المنطقة بهذا الشكل المروع، ربما ظنا من الجنود ان (الإرهابي) متواجد بين اهله او ان هؤلاء الضحايا هم اقاربه.

والدليل على ان هذه العمليات ليست عفوية او فردية انها تكررت عدة مرات في العراق وافغانستان خاصة اثناء الافراح والاعراس التي تتحول إلى مآتم على سبيل التأديب للمنطقة التي يجري فيها مهاجمة قوات التحالف.

ومن المعتقد ان من الواجب الآن على المجتمع الدولي ان يتصدى بمجمله لمثل هذه الاعمال الوحشية ولا ينتظر ان تحاسب القيادة الاميركية جنودها بقدر ما يستوجب حجم الجرم المشهود، ولم يعد من الكافي ان يصدر الجيش الاميركي عقب كل جريمة حرب مماثلة بيانا يقول فيه ان العملية كانت تستهدف (عناصر ارهابية) كانت موجودة في مكان الهجوم.

كما ان اعلانات المعاقبة على الجريمة في واشنطن ما هي الا محاولات من الجمهوريين لتجنب خسارة مؤلمة في الانتخابات النصفية للكونغرس المقررة في نوفمبر القادم ، ومن ثم فلا ينبغي ان ينخدع احد بميل واشنطن نحو المعايير الانسانية او الشفقة بالضحايا.