حدثنا مراراً وتكراراً اثنان من قادة أهم دولتين ديمقراطيتين في العالم وهما الرئيس الأميركي جورج بوش وحليفه «الحميم» رئيس الوزراء البريطاني توني بلير، عن العراق الذي سيكون منارة الديمقراطية التي ستنشر نورها في أرجاء الشرق الأوسط.
هكذا تتذكر الكاتبة في صحيفة الاندبندنت البريطانية ماري ديفسكي ما قاله الزعيمان الغربيان الصديقان في بداية غزو أرض الرافدين، ونحن بدورنا نتذكر معها الكلام المعسول والوعود الوردية التي أمطرنا بها ولاة أمر ما تسمى بقوات التحالف التي يئن من وطأتها شعب العراق الشقيق. فهل ما نراه من مجازر وسفك دماء الأبرياء على ضفتي دجلة والفرات، هو هذا الضياء الذي بشرنا به بوش وبلير؟
بعد فضيحة أبوغريب التي ستظل وصمة عار في جبين العسكرية الأميركية ـ وهو ما اعترف به الرئيس بوش بنفسه حيث أقر بجرمها ـ نعيش الآن فصول فضائح جديدة، منها مجزرة «حديثة» تلك البلدة العراقية التي كشفت عن وحشية وبشاعة جنود مشاة البحرية الأميركية ـ المارينزـ الذين بشرتنا بهم الزعامة الاميركية وزعمت أنهم قوات تحرير من أجل حرية شعب العراق.
هؤلاء الجنود فتحوا نيرانهم على مدنيين عزل من رجال ونساء وأطفال في 19 نوفمبر من العام الماضي، فذبحوا 24 مدنياً. وهي جريمة وصفتها مصادر صحافية غربية بأنها أشبه بمذبحة قرية (ماي لي) التي تعرض لها الفيتناميون عام 1968 بأيدي القوات الأميركية.
وقد عبر مسؤول غربي كبير أمس عن غضبه مما حدث. المسؤول هو وزير الدفاع الألماني فرانس جوزيف يونج الذي قال إنه يشعر بالفزع بسبب مايتعرض له المدنيون العراقيون من مذابح.
هذه الجريمة التي تضاف إلى السجل الأسود للاحتلال، لا يمكن محوها من الذاكرة العراقية، وبالتأكيد لم يستطع البنتاغون ولا البيت الأبيض التغطية عليها خاصة وأن المصادر التي أفصحت عنها وكشفتها غربية. وقد تعهد الرئيس الأميركي جورج بوش بتحقيق شامل في المذبحة.
ووعد بمعاقبة المسؤولين عنها بعد ثبات وقائعها. ونأمل بالطبع أن يفي الرئيس الأميركي بوعده عسى أن يخفف ذلك من آثار الجريمة التي وإن كان من الصعب طمسها من سجلات التاريخ العسكري الأميركي، الا ان اتخاذ موقف صارم من جانب القيادة الاميركية ضد مرتكبيها سيؤكد أن الجريمة لاترضى بها تلك القيادة.
ولكن هل ما حدث في «حديثة» ومن قبل في «أبوغريب» لن يتكرر؟
للأسف لا. فها هي جريمة أخرى يرتكبها الجنود الأميركيون ويفصح عنها التلفزيون البريطاني الذي بث شريط فيديو يكشف عددا من القتلى العراقيين من بينهم أطفال، قتلتهم القوات الاميركية عمدا في بلدة «الاسحاقي» شمال بغداد.
وأكدت الشرطة العراقية أن 11 مدنيا سقطوا خلال تلك المذبحة. فقد قامت القوات الأميركية بتجميع سكان أحد المنازل وعددهم 11 ومن بينهم خمسة أطفال وأربع نساء وفتحوا نيران اسلحتهم باتجاههم قبل أن يقوموا بنسف المنزل.
ان جرائم الأميركيين في العراق، قد لا تحصى أو من الصعب حصرها، لأنه بالتأكيد لايمكن كشفها جميعا. ومع ذلك لا يمر وقت طويل دون الكشف عن بعضها، لأن رائحتها تفوح دوما. وبالأمس روى شاب عراقي كيف قامت قوات الاحتلال الأميركي بقتل شقيقته الحامل عند احدى نقاط التفتيش يوم الثلاثاء الماضي في وسط مدينة سامراء.
كان هذا الشاب ينقل شقيقته الشهيدة الى المستشفى وهي على وشك الولادة، وفي الطريق أطلق قناص أميركي النار عليها وعلى والدته وسقطتا قتيلتين دون ذنب اقترفتاه. هذا مثال لما يمكن أن يحدث يوميا على أرض الرافدين التي لن يجف الدم فوق ترابها الا برحيل الاحتلال.