مع ظهور إشكالية الموقف من «الحداثة» التي دعا إليها بعض دعاة النهضة العربية تحت اسم «المعاصرة» في بدايات القرن العشرين، وبروز بعض دعاة النهضة الإسلامية المناهضين لها باسم الدفاع عن «الأصالة».
وبعض دعاة القومية العربية الداعين إلى التحرر من الاستعمار والمناهضين للوقوع في شرك التبعية الثقافية للغرب ورفض «التغريب» ثار الحوار أحيانا والجدل غالبا في إطار نوع من الاستقطاب الفكري في الساحة الثقافية العربية والإسلامية، حدث فيه الخلط بين مفاهيم منفصلة عدة، والفصل بين عدة مفاهيم متصلة.
وتعددت فيه الآراء والإسهامات القيمة لعدد من الكتاب والمفكرين والباحثين في محاولة للإجابة عن الأسئلة المطروحة، كل من وجهة نظره وانطلاقا من مرجعيته الحضارية في حالة حراك ثقافية لضبط المصطلحات، وتأصيل المضامين، وتصحيح التوجهات والمفاهيم.
ولأن النقاش بين الحين والآخر لا يزال يطرح من الأسئلة المعادة بعض ما يستلزم إعادة الإجابة، ولأن بعض الخطابات الفكرية ذات المرجعيات السياسية والتوجهات الأيديولوجية أحيانا ما تطرح في محاولاتها لإقصاء الآخر الإسلامي بعض المصطلحات المخلوطة في غير سياقها.
وبعض المفاهيم المغلوطة على غير طبيعتها، فإن ذلك إن دل على شيء فإنما يدل على أن النقاش لم يحسم بعد حول هذه الإشكالية بين «التحديث والتقليد» أو بين «التعريب والتغريب» أو بين «الأصالة والمعاصرة» في إطارها العام.
وبرغم أن هذه الإشكالية تتطلب مبحثاً طويلاً وحواراً عميقاً، رأينا أن نعرض رأيا قد يعي بعض الأشياء ولا يدعي الوعي بكل الأشياء، قد يعي أن هناك فرقا بين «التحديث» و«التغريب»، فالتحديث في معناه الموضوعي كما نفهمه يعني التجديد لكل ما يحتاج إلى تجديد لحاقا بمنتجات الحضارات الحديثة .
وتكيفا مع روح العصر وصولا إلى التقدم، بما تتطلبه المصالح الإنسانية المشروعة سواء في المعارف وليس في القيم، وفى المهارات وليس في التوجهات، وفى المباني وليس في المعاني، وفى الوسائل وليس في الغايات، وباختصار في المظهر .
وليس في الجوهر الحضاري، بينما التغريب يعني الاتجاه الكلى نحو الغرب مبنى ومعنى، ومظهرا وجوهرا وأدوات وغايات، بما يشكل استلابا كاملا للإرادة، واغترابا عميقا عن الذات وذوبانا ثقافيا وحضاريا وتبعية أو محاكاة أو تقليداً، بما يشكل في النهاية اغتيالاً للهوية الثقافية والحضارية الوطنية والقومية.
الواقع أنه ليس هناك تلازم دائم بين المفهومين والتحديث لا يعنى قطع الصلة بالتاريخ لأنه غير ممكن، ولا بين الماضي والمستقبل لأنه مستحيل، ولا يعنى بالضرورة الانفصال عن الدين باسم العلمنة، لأن الحداثة كانت طريقا إلى النهضة الأوروبية، بينما العلمنة التي نشأت في الغرب كانت في مواجهة الكنيسة التي وقفت في مواجهة العلم، مما انسحب على الدين، بينما الدين وكل الرسالات السماوية لا يمكن أن تتناقض مع العلم أو تجافي حقائق الحياة، بل العكس هو الصحيح.
والإسلام بالتحديد الذي ليست لديه مثل هذه المشكلة بما يبرر التحديث ولا يبرر العلمنة، وبما حض عليه من طلب للعلوم من كل الحضارات ولو من أوروبا أو من الصين وسيلة لإنماء الحياة الإنسانية، لا يمكن أن يقف بالتعصب في مواجهة العلم، ولا بالجمود في مواجهة الجديد.
لقد بنت قوة دفع هذا الدين الحديث بالنسبة إلى المسيحية واليهودية اللتين كانتا أقدم منه بقرون في العصور الوسطى حضارة حديثة، وأسس الإسلام دولة كبرى كانت هي القوة الأولى في عصرها.
ونشرت سيادتها ورسالتها التي أسهمت بقدر كبير في تحديث الغرب وتنويره في «عصور الظلام» التي خيمت على أوروبا في القرون الوسطى، فكانت تمثل الحداثة المؤمنة بمقياس عصرها.
وبرز المستشرقون في الغرب يبحثون في أسرار قوة هذه الحضارة الشرقية كما برز المناهضون لسمات وتأثيرات ذلك «التحديث» وذلك «التشريق» في عالم الغرب إلى حد شن الحرب العكسية الصليبية على الشرق الإسلامي من منطلق الثأر التاريخي.
الحداثة الرشيدة لا تتجاهل بطبيعتها خصوصيات الثقافات ولا واقع المجتمعات، لأن التحديث هو في النهاية عملية تجديد بناءة تقدم المصالح وتدرأ المفاسد، وتطوير مطلوب للبنى والوسائل والمعارف والتقنيات إذا كان هذا التجديد جيدا ومطلوبا لتحقيق مصلحة الإنسان، وإذا كانت هذه الوسائل أصيلة بعمق الجذور، ومتوافقة مع شرف الغايات.
كما أن هنالك أصواتاً عالية في الغرب مناهضة للتحديث أيضا إذا تلازم مع مفهوم «الأمركة»، قريبا مما يحدث لدي البعض منا في الشرق من موقف مناهض للتحديث إذا اختلط بمفهوم التغريب.
وربما ينبع الخلط بين التحديث والتغريب في الشرق، والتحديث والأمركة في الغرب كنتاج لواقع معاصر ومؤقت بدأ مع القرن التاسع عشر حين ساد فيه الغرب على الشرق في عصر «الاستعمار» القديم، ومع تسيد أميركا على الغرب في القرن العشرين في عصر «الهيمنة» الجديد.
الحضارة المغلوبة تتبع الحضارة الغالبة وتحاكيها، وفقاً لنظرية «ابن خلدون»، ولما يصدق عليه واقع الحال من أن الحضارة المغلوبة في الشرق، كانت تحاكي في سعيها للتحرر والنهضة آليات وتقنيات الحضارة الحديثة في الغرب.
ولهذا فقد حمل بعض الداعين إلى النهضة لواء التحديث استفادة من حضارة الغرب الاستعماري، فاختلطت ردود الفعل المناهضة لهذه الدعوة بالموقف المقاوم من الاستعمار الغربي وليس من الغرب الجغرافي، ومن محاكاة المستعمرين التي تكرس التبعية ..
وليس من التجديد الحضاري الدافع إلى النهضة استفادة ببعض نتاج الحضارة الغربية، ليبقى مفهوم «التعريب» في الواقع هو استعادة الذات العربية في النهاية، والحفاظ على جوهرها الحضاري من الاستلاب والذوبان في الآخر، مع إبقاء الجسور مفتوحة للحوار والتواصل الحضاري مع الآخر مع الإدراك العميق بأن «الإسلام هو الجوهر الحضاري للقومية العربية».
في النهاية فإن الحضارات الإنسانية على مدى التاريخ تعاملت إيجابيا مع بعضها وتفاعلت في تأثير متبادل وكانت كل حضارة جديدة تباشر بتأثيرها الحضاري عملية تحديث لغيرها، بحيث يمكن اعتبار كل حضارة إنسانية في الشرق أو في الغرب هي ملكية عامة للبشرية جمعاء.
كاتب مصري
mamdoh77t@hotmail.com