تأتي زيارة الملك عبدالله الثاني بن الحسين لبرلين بعد زيارة هامة لواشنطن وفي ظروف بالغة التعقيد حيث ابتعد المجتمع الدولي كثيرا عن التعامل مع ازمات المنطقة في اتجاه حلها او التخفيف من حدة توترها، بل ان الموقف من الصراع الفلسطيني الاسرائيلي يزيد من توتر الاجواء ومن احتمالات تنامي العنف بسبب الظروف الخانقة في الاراضي الفلسطينية المحتلة.
في واشنطن تحدث الملك مع الرئيس جورج بوش وكبار مساعديه بشكل معمق في اوضاع المنطقة وهذا ما سيفعله مع المستشارة الالمانية وكبار المسؤولين في ذلك البلد الذي يحظى باهمية خاصة في نطاق الاتحاد الاوروبي وحتى في علاقاته المباشرة مع دول المنطقة ومنها الاردن بطبيعة الحال، فالدول الفاعلة مطالبة بعمل شيء من اجل تشجيع عملية السلام لان التحليل الذي يتم على اساسه النظر الى الجانب الفلسطيني بانه مرهون بوجود حركة حماس في السلطة لا يستند الى رؤية واقعية، والاردن بصفته شريكا أساسيا في العملية السلمية يعرض وجهة نظره من منطلق ان التغاضي عن حقوق الشعب الفلسطيني وترك اسرائيل تفعل ما تشاء سيكون له ثمنه الباهظ ان عاجلا او اجلا.
وفي المرات التي اشار فيها جلالة الملك الى ان فترة العامين القادمين ستكون حاسمة لمستقبل المنطقة تبعا لمجريات الصراعات الموجودة حاليا فانه كان يريد لفت الانتباه الى ان على المجتمع الدولي المساعدة لجعل هذه المرحلة الزمنية آمنة قدر المستطاع، والا فان تفاقم المشاكل في العراق مثلا او الملف النووي الايراني وملف العلاقات السورية اللبنانية بابعادها الاقليمية والدولية سيضع الجميع امام خيارات صعبة ومخاطر لا مجال للتقليل من شأنها.
قد لا يكون الحل عند الادارة الاميركية رغم كل ما يقال عن نفوذها وقد لا تستطيع المانيا ان تفعل شيئا مؤثرا على صعيد حل النزاعات القائمة ولكن مجرد التفكير في الجوانب الانسانية ومد يد المساعدة للشعبين الفلسطيني والعراقي قد يبقي على قدر معقول من المودة والعلاقات الطيبة التي تخفف من حدة التساؤلات المتعلقة بثنائية العلاقة بين الغرب واسرائيل، خاصة وان الشعب الفلسطيني في معظمه يعتقد بأن الغرب يفعل ما تطلبه منه اسرائيل بلا تردد، والى حد بعيد فسرت بعض الممارسات وخاصة وقف الدعم المالي عن السلطة الوطنية على انه جزء من ضغط اسرائيلي على الفلسطينيين.
ما يسعى اليه الملك الذي يتمتع باحترام دولي كبير هو مواصلة العمل على احياء المعسكر الدولي للسلام وتحويله الى جبهة تستطيع من خلال فض النزاعات وضع حد لتنامي قوى الارهاب الناجم عن اليأس والظلم والغضب، وهو اذ يجاهد في سبيل توضيح فكرته الخاصة عن السلام بمعناه العميق، انما يدفع في اتجاه تعزيز نظرية الامن والتعاون الدولي على أساس ضمان مصالح جميع الاطراف، ذلك ان الارهاب كحالة تتغذى وتكبر على الفوضى ومآسي الجوع والخوف والقتل قد دق على جميع الابواب تقريبا.
والأهم من ذلك كله ان الاردن ليس مجرد وسيط او شريك او مهتم بالشؤون الاقليمية، وانما هو معني بكل ما يجري في المنطقة ويتأثر بنوعية الموقف الدولي منها، وهو من هذه الناحية يحتاج لأن يعزز قدراته على مواجهة الاعباء السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي يتعرض لها بسبب تلك الاوضاع وغيرها من الازمات الاقتصادية الدولية مثل ارتفاع اسعار النفط، ومن ناحية اخرى يتحمل مسؤولياته وواجباته السياسية والاخلاقية ومن بينها دعوة الدول الكبيرة كي تتحمل مسؤولياتها في الحفاظ على الامن والسلام ومساعدة الدول الصغيرة قدر المستطاع.