أن تتصدر معظم الدول العربية قائمة الدول الأكثر انتهاكا لحقوق الإنسان فهذا شيء عادي، سواء كانت تلك القوائم رسمية أو شعبية، صادرة عن دول عدوة أو صديقة أو منظمات دولية، فالحياة العامة لا تخفي خلفها التجاوزات والانتهاكات، ولو سئلت بعض الأنظمة العربية مباشرة لاعترفت بأنها ترتكب مخالفات للعهود والمواثيق الدولية مع الوعد بأنها ستصحح الأخطاء التي تحملها لبعض الأشخاص عندما تطبق الإصلاحات التي قررتها.
وحتى كولومبيا وغيرها من دول أميركا اللاتينية مفضوحة في مسألة حقوق الإنسان، وهي لا تنكر ذلك، ربما لأنها تتذرع بمحاربة العصابات الثائرة أو المنتجة والمهربة للمخدرات، وبعدها يتوالى مسلسل الدول المتخلفة في إفريقيا وفي أسيا، ومن تكرار تواجد أسماء تلك الدول ما عادت الأنظمة تدافع عن نفسها أو تحاول أن تغير من سلوكها، فهي لا تخسر شيئاً، وان كانت الضريبة توبيخا من هنا ومظاهرة من هناك فهذا مقدور عليه، ويمكن التغلب عليه بطاعة لهذا وملاطفة لذاك، وتنسى التقارير داخل الأدراج.
المهم واللافت للنظر أن منظمة العفو الدولية بدأت تقريرها هذا العام بالكبار، بإخواننا الذين يعلموننا كيف نتهجى مبادئ حقوق الإنسان، وكيف نتعلم المشي في دربها خطوة خطوة، وقد خصصوا دورات وورش عمل (نرفع) فيها المواثيق التي أطلقوها قبل زمن بعيد، هذه الولايات المتحدة الأميركية بعظمتها وجلالتها تنال التوبيخ لانتهاكها حقوق البشر في العراق وأفغانستان وجوانتانامو والسجون السرية بأوروبا والدول المعولمة والسرية، وهذه بريطانيا العظمى معها بعد أن تجاوزت القواعد والأعراف التي استقرت عليها بعد أحداث القطارات.
هذا ما لم يكن في الحسبان، فالولايات المتحدة لديها تقرير سنوي هو الأقوى في العالم، تخاف منه كل الدول الصغيرة، وتعمل بكل ما تملك من ود وعلاقات سرية أن تتجنب ورود اسمها ضمن قائمة المنتهكين للحقوق، حتى لا يوقف الكونجرس إعاناته لأنظمتها، سواء بضخ المبالغ النقدية أو الأسلحة، فكيف تكون هذه الدولة العظمى على رأس قائمة منظمة العفو الدولية السوداء؟
إنها الازدواجية في التصنيف، والعنصرية في التعامل مع البشر، وطغيان المفهوم الامبريالي على المبادئ والقواعد الإنسانية، والنظرة المتطرفة للانتماءات والعقائد، تبين لنا حقيقة الادعاءات التي نسمعها حول العدل والمساواة وحقوق الإنسان، وتظهر زيف تلك الرغبات التي تطلق تحت هذه العناوين لإثارة الشعوب المقهورة وتستخدم وقودا لمصالحهم، فإذا جربوا كانوا هم النار التي تشعلهم، وتدوس على إنسانيتهم.