بدأ العالم هذه الأيام يتكلم لغة كرة القدم، حيث أنها أصبحت هي القاسم المشترك بين البشرية جمعاء من أدغال إفريقيا إلى جبال الهيملايا إلى صحراء أريزونا إلى غابات الأمازون. فالكرة هذه الأيام أصبحت تبيض ذهبا، وأصبحت تتكلم سياسة وتسويقا ورعاية وإعلانات وتجارة وعلاقات عامة تقدر بملايين ،بل بمليارات الدولارات.

فكبريات الشركات العالمية تبرز عضلاتها في هذه المناسبة لأن الإحصائيات تقول :إن هناك مئات الملايين من المشاهدين بل المليارات عبر العالم. فمن قال إن الحصص التدريبية لمنتخب البرازيل أصبحت تبث مقابل حقوق ومبالغ مالية معتبرة؟ ومن قال إن الدخول لمشاهدة هذه التدريبات بتذاكر تباع ب16 دولارا أميركيا؟ ومن قال إن حقوق بث مباريات كأس العالم قفزت من 175 مليون دولار أميركي في سنة 1990 إلى أكثر من مليار دولار في الدورة الحالية 2006؟

ومن قال إن الاتحاد الدولي لكرة القدم «الفيفا» أصبح إمبراطورية تتمتع بميزانية تقدر بمليارات الدولارات وأصبح رئيسها جوزيف بلاتر يُستقبل في الدول التي يزورها استقبال الملوك والرؤساء؟ هذه هي كرة القدم في القرن الحادي والعشرين. وهذه هي حالها في مونديال ألمانيا المقرر من 9 يونيو إلى 9 يوليو 2006.

مونديال ألمانيا ليس كرة قدم فقط ومباريات، ورابحا وخاسرا ،وإنما هناك مليارات الدولارات تُنفق وتُكسب وتُستثمر ويٌراهن عليها في هذه المناسبة الكونية. التسويق والتجارة والإعلان هي الكلمات المحورية لما سيجري في ألمانيا هذه الصائفة. نهائيات ألمانيا يتواجد فيها 15 راعياً رسمياً يتمثل في الشركات المتعددة الجنسيات التي تتعامل مع الرياضة والاتصالات ومواد التجميل والسيارات والمواد الإلكترونية وغيرها من السلع والخدمات.

فالرهان يتمثل في 64 مباراة تُلعب وتُبث عبر العالم خلال 30 يوما تنعم فيها الشركات المعلنة بالوصول إلى مئات الملايين من المتفرجين والمشاهدين من جميع أنحاء العالم وستكون اللغة واحدة بطبيعة الحال وللجميع وهي لغة كرة القدم. فالبعد التجاري التسويقي أصبح هو الأساس في عالم كرة القدم خاصة عندما يتعلق الأمر بكأس العالم.

فاسم ملعب أرسنال الجديد بيع ب100 مليون دولار، وهناك لاعبون مثل «رونالدينو» و«بيكهام» و«زيدان» و«رونالدو» و«روبرتو كارلوس» و«بلاك» يتقاضون عشرات الملايين من الدولارات مقابل الظهور في إعلانات لشركات عالمية عملاقة. وهناك شركات عديدة قامت برعاية فرق معينة مقابل مئات الملايين من الدولارات.

الرياضة في القرن الحادي والعشرين إذن ليست مجرد رياضة، بل هي تجارة ورعاية وتسويق وإعلانات وسياسةالخ. فالمنتخب البرازيلي الفائز بكأس العالم لكرة القدم سنة 2002 أنسى 170 مليون برازيلي هموم الفقر والمشاكل اليومية وسوء الإدارة والتسيير من قبل الحكومة البرازيلية، واستطاع أن يجعل هذه الملايين من البشر ترقص «السامبا» في عرس واحد وحفل واحد، الأمر الذي تعجز عن تحقيقه أية مؤسسة أخرى داخل البرازيل بما فيها مؤسسة رئاسة الدولة.

ومن خلال الفوز بكأس العالم أدرك الرأي العام البرازيلي أنه بألف خير وأنه الأحسن والأقوى عالميا في ميدان كرة القدم وهذا إنجاز عظيم يجب أن تشكر عليه وزارة الرياضة والشباب والاتحادية البرازيلية لكرة القدم وبذلك الحكومة، وإذا شكرنا الحكومة يجب أن نسبح ونقول شعرا في الرئيس البرازيلي. أكثر من هذا شعوب في دول عديدة رقصت السامبا وساندت الفريق البرازيلي وهنأت الرئيس البرازيلي والشعب البرازيلي بالإنجاز العظيم.

هذه هي إذن الرياضة التي تخترق الهموم والمشاكل وتبرز الإنجازات والنجاحات. فالنجاح الرياضي أصبح يرتبط بالوطنية والامتياز والتفوق. فمن منا لا يتذكر الصراع المحتدم بين المجتمع الرأسمالي الغربي بقيادة الولايات المتحدة والكتلة الاشتراكية الشرقية بزعامة الاتحاد السوفييتي سابقا.

في القرن التاسع عشر ربطت القوى الاستعمارية التطور والتفوق الرياضي بحركة الاستعمار وتفوق النظام الرأسمالي الغربي، وأصبح المتفوق في الرياضة هو المتفوق في الاقتصاد وفي السياسة وفي الحضارة وأصبح المنتصر في الرياضة هو المنتصر في الحرب.

و هكذا دخلت الرياضة السياسة وكيف لا وهناك دول استثمرت مليارات الدولارات لاستضافة بطولة كأس العالم لكرة القدم أو لاستضافة الألعاب الأولمبية أو الألعاب الآسيوية أو الإفريقية أو ألعاب البحر الأبيض المتوسط إلى غير ذلك. وبذلك تم توظيف الرياضة في خدمة السياسة وأصبحت السياسة الرياضية جزءا لا يتجزأ من سياسة الدولة.

وأصبح الأبطال في مختلف الألعاب والرياضات وخاصة الألعاب الأكثر شعبية ككرة القدم وألعاب القوى يُقلّدون الأوسمة ويُستقبلون استقبال المحررين المنتصرين من رئيس الدولة، وتقدم لهم التهاني والتبريكات من قبل كبار الشخصيات وصناع القرار. مع مطلع القرن العشرين تحوّلت الملاعب إلى فضاءات للدعاية السياسية وللتجنيد ولغسل الأدمغة وحتى للانقلابات العسكرية.

فعبرت الشعوب المستعمرة (بفتح الميم) عن حقها في تقرير مصيرها من خلال مشاركاتها المختلفة في المحافل الرياضية الدولية. وكان فريق جبهة التحرير الوطني الجزائري إبان استعمار فرنسا للجزائر خير سفير للقضية الجزائرية، ونلاحظ اليوم المنتخبات الفلسطينية ودورها الريادي والاستراتيجي بالتعريف بالقضية الفلسطينية وإسماع صوت أطفال الحجارة للعالم.

كما عبّرت الأقليات والأعراق عن حقوقها من خلال الرياضة وخير دليل على ذلك الزنوج الأميركيون ابتداء من العداء الشهير «جيسي أوينس» إلى الملاكم العالمي محمد كلاي علي الذي رفض أن يلتحق بالجيش في فيتنام. وهكذا بلغ استغلال الرياضة سياسيا ذروته مع صعود الأنظمة الشمولية في ألمانيا الهتلرية النازية وإيطاليا الموسولينية الفاشية والاتحاد السوفييتي من لينين إلى ستالين إلى خروتشوف وبريجنيفالخ.

ففي سنة 1934 استضافت إيطاليا بطولة العالم لكرة القدم واستغل الفاشيون الحدث وحوّلوا ملاعب كرة القدم إلى حلبات للدعاية والتسويق السياسي وغسل الأدمغة وتجنيد الجماهير واستغلال حماسهم وروحهم الوطنية وولائهم لقادة بلادهم ومشاعرهم القومية.

وفي سنة 1936 استقبلت ألمانيا النازية الألعاب الأولمبية وجمعت برلين الرياضيين من جميع أنحاء العالم لكن بشرط أن يعلم الجميع أن العرق الآري هو أحسن عرق فوق الأرض وأنه ولد ليتفوق وليحكم العالم. وهكذا زحفت ألمانيا من الملاعب المختلفة للرياضات الأولمبية إلى غزو جيرانها وإعلان الحرب على العالم.

كما لا ننسى أن «هتلر» رفض أن يسلم الميدالية الذهبية للعداء الأميركي الأسود «جيسي أوينز» لا لشيء إلا لأنه أسود وفي منطق «هتلر» غير ممكن للأسود أن يتفوق على الأبيض.الأيديولوجية الاشتراكية والشيوعية هي بدورها استغلت الرياضة لتأكيد تفوقها وقوتها.

الاتحاد السوفييتي ومن كان يدور في فلكه وخاصة ألمانيا الديمقراطية ورومانيا وبلغاريا والمجر وتشيكوسلوفاكيا كانت هذه الدول كلها تستثمر استثمارا لا حدود له في مجال الرياضة، وكانت تنفق مئات الملايين من الدولارات على رياضييها، وبعض الأحيان تستعمل المنشطات وكل الوسائل للتفوق على المعسكر الرأسمالي.

وكان الصراع يشتد دائما بين المعسكر الاشتراكي والمعسكر الرأسمالي في المحافل الرياضية الدولية، وكانت دولة مثل ألمانيا الديمقراطية بحجمها الصغير وإمكانياتها المحدودة آنذاك تهزم في المسابقات الرياضية العالمية دولا عريقة مثل فرنسا والولايات المتحدة وإيطاليا وبريطانيا واليابانالخ.

من جانب آخر لا يجب نكران جميل الكرة على العلاقات بين الدول والشعوب. فالتنظيم المشترك لكأس العالم 2002 بين اليابان وكوريا الجنوبية ساهم في كسر الجليد وبعث الدفء وتسريع وتفعيل المصالحة بين البلدين. كما تعتبر كرة القدم سفيرة النوايا الحسنة بين الشعوب والأمم ووسيلة للتعارف على الثقافات والحضارات وتاريخ الشعوب والأمم. حيث نجد دولا صغيرة تشارك وتتحدى بنفس القوة والعزيمة نحو الفوز والكسب والتألق، والمقياس الوحيد للتميز هو ملعب كرة القدم لا غير.

أستاذ الإعلام ـ جامعة الشارقة