جاءت الجائزة التي فاز بها فيلم ( أنديجان) في مهرجان «كان» الدولي للسينما هذا الأسبوع في موعدها بالضبط، لتعيد الأمور إلى نصابها فيما يتعلق بمنزلة العرب المهاجرين المقيمين في فرنسا وفي أوروبا عموما. فالانتخابات الرئاسية في باريس على الأبواب وتفصلنا عنها شهور قليلة ويشكل تصاعد اليمين المتشدد ظاهرة خطيرة بعد أن كاد يفوز بانتخابات 2002 ح

ينما بلغ الزعيم العنصري جون ماري لوبان الدور الثاني للرئاسيات في مايو 2002 ونافس الرئيس شيراك على قصر الإليزية، في موجة غير عقلانية ومخيفة من انتشار التطرف المعادي للعرب والمسلمين انطلقت منذ الحادي عشر من سبتمبر 2001 لتشمل المجتمعات الأوروبية الخائفة من المجهول والمتلاعب بها من قبل حفنة من الاستعماريين الجهلة، يزيفون التاريخ ويطوعونه لخدمة أغراضهم ويزرعون الحقد ضدنا نحن العرب.

كلمة (أنديجان) تعني باللسان الفرنسي المواطن العربي من الشمال الإفريقي، حينما كانت شعوب المغرب العربي ترزح تحت نير الاستعمار الفرنسي منذ احتلال الجزائر عام 1830 إلى احتلال تونس والمغرب عام 1881 إلى تاريخ استقلال هذه الشعوب في الخمسينات والستينات من القرن العشرين. وهي عبارة تحمل مخزونا من الاحتقار والحط من الكرامة وتشير إلى أن بلدان المغرب العربي يمثلون قلة هجينة تشبه عبارة البرابرة التي استعملها الرومان في العصور القديمة لنعت كل من هو غير روماني.

والفيلم الذي فاز بجائزة أفضل طاقم من الممثلين أخرجه المخرج الفرنسي المغربي رشيد بوشارب ومثل فيه بعض نجوم الفن الفرنسيين من أصول مغاربية وأشهرهم جمال دبوز، وهو يروي قصة واقعية حين التحق بالجيش الفرنسي مائة وثلاثون ألفا من الشباب المغاربي من تونس والجزائر والمملكة المغربية لتحرير أرض فرنسا من الاحتلال النازي الألماني وإنقاذ الشعب الفرنسي وكل أوروبا من الهزيمة التي كانت تهددها على أيدي هتلر،

وشارك هؤلاء المقاتلون في الحرب كطلائع من سنة 1943 إلى سنة 1945 وأبلوا البلاء الحسن متقدمين الصفوف وغير مجهزين لا باللباس الواقي ولا بالسلاح المتطور، بل إن بعضهم كان يقاتل ويواجه الرصاص الألماني وهو حافي القدمين مكشوف الرأس.

ولكن هذه الملحمة من المنظور الأوروبي ظلت مغيبة عن التاريخ كأنها لم تقع، فالغرب تناسى بكل صفاقة ودناءة طبع كل من ساهم في تحريره من النازية والفاشية من العرب المسلمين، وأصبح أبناء أولئك المقاتلين وأحفادهم معرضين للتمييز العنصري في البحث عن مواقع عمل ومستهدفين للممارسات العنصرية في المدرسة والشارع والمقهى، يساوم بهم المتطرفون للحصول على أصوات الرعاع وعامة الجهلة في مختلف الانتخابات.

ونحن في فرنسا نسمع هذه الأيام أصوات اليمين العنصري لدى حزب الجبهة الوطنية وزعيمها جون ماري لوبان وحزب الحركة من أجل فرنسا وزعيمه فيليب دو فيلييه تجرم العرب المقيمين بصورة شرعية في فرنسا وتدلس دينهم وتنال من عقيدتهم وتشكك في وطنيتهم وتحملهم مخاطر الإرهاب! وبالطبع فان هؤلاء العنصريين يمارسون تشويه الحقائق والتلاعب بالتاريخ والتفنن في حفر الخنادق التي تفصل بين الحضارات عن سوء قصد.

ويأتي هذا الفيلم السينمائي ليكشف عن جزء بسيط ومحدود من المساهمة العربية الحاسمة في بناء الجمهورية الفرنسية وتأسيس الاتحاد الأوروبي. أما الأجزاء المجهولة الأخرى والتي تنتظر فنانين ومبدعين لإنتاج أفلام عنها أو تدوينها في كتب، فهي تلك الملاحم التي صنعها العمال المغاربيون في الخمسينات حيث استقدموا من تونس والجزائر والمغرب لبناء العمارات الشاهقة وتشييد شبكة الطرقات السريعة والنزول إلى المناجم المعدنية بعد أن هاجر الفرنسيون والأوروبيون تلك المهن الشاقة وخلدوا للأعمال المريحة في أعقاب الحرب العالمية الثانية.

وتذكر الإحصاءات الرسمية الفرنسية لوزارة العمل بأن الضحايا من العمال العرب الذين توفاهم الله بسبب البرد والثلج والمرض والسقوط يعدون بعشرات الآلاف، تاركين وراءهم أرامل وعيالا أيتاما بلا أي مورد رزق. وحتى أولئك الذين كانوا مقاتلين في الحرب لم يحصلوا بعد تقاعدهم على ما يسد الرمق فعاد منهم من عاد إلى البلاد الأصلية وظل منهم من ظل في فرنسا برواتب لا تتجاوز المائة يورو إلى يوم الناس هذا،

وهي فضيحة وطنية في فرنسا يحاول الأحرار الوطنيون هنا معالجتها بما يضمن كرامة من حرروا فرنسا وأوروبا وضاعت أعمارهم في أوطان ليست أوطانهم.ولعل الأمانة ملقاة على عاتق حكوماتنا في الدول المغاربية حتى تسعى إلى حل معضلات مواطنيها بالضغط على الحكومات الأوروبية وربط التعاون معها بإنصاف هؤلاء الذين راحوا وقودا لنار الحرب في زمن لم تكن لديهم فيه خيارات أخرى.