يكاد العرب يخرجون من التاريخ بتأثير زلازل وبراكين سياسية متفجرة لم تتوقف منذ غزا صدام حسين الكويت لكن كثيرا من المثقفين العرب لم يخرجوا حتى الآن من «كهوف الأوهام» وما زالوا يتداولون عملات هي في سوق التحليل السياسي كنقود أهل الكهف،

وقد كنت مؤخراً ضيفا على إحدى الفضائيات العربية وسمعت من مثقف قومي لبناني معروف، كلاما من حفريات التاريخ السياسي عن الدور الروسي في مواجهة الولايات المتحدة وهو جزء من خطاب سياسي يتمحور حول وجود مساندة «صادقة» من روسيا لقضايانا وقدرات دبلوماسية روسية على تحقيق ما نتمناه. وقد جاء الرد على هذا الخطاب التحليلي الشائع عربيا في دروس بليغة في أسبوع واحد من براغ ثم موسكو.

الدرس الأول مر دون اهتمام إعلامي يليق بدلالاته المهمة وجاء من العاصمة التشيكية براغ ليلقي الكثير من الشكوك على الصورة النمطية التي أدركنا من خلالها العلاقة بين الغرب وإسرائيل، فقد راج لسنوات طويلة أن الدور الأكبر في نشأتها هو دور أميركي رغم أن وعد بلفور الذي صدر عام 1917 صدر في وقت كان فيه الدور الدولي للولايات المتحدة الأميركية محدودا ودورها في الشرق الأوسط شبه معدوم، كما أن هذا الوعد هو في النهاية «أوروبي» إذ تأسس على تفاهم بريطاني فرنسي في اتفاقية سايكس بيكو (1916).

وتشهد العاصمة التشيكية براغ بالتزامن مع ذكرى قيام إسرائيل معرضا عن الدعم العسكري لإسرائيل عشية قيامها ويضم المعرض الذي ينظمه المتحف العسكري التابع لوزارة الدفاع التشيكية صورا ونماذج أسلحة وملابس عسكرية ويتناول أيضا تزويد تشيكوسلوفاكيا القوات اليهودية، عشية قيام الدولة العبرية العام 1948، بطائرات وأسلحة متنوعة «لولاها ما كان الجيش الإسرائيلي ليحقق الانتصار على الجيوش العربية».

وبحسب تقرير خاص نشرته صحيفة «هآرتس» العبرية فإن النظام الشيوعي في تشيكوسلوفاكيا الذي كان حديث العهد العام 1948 وبتعليمات من الزعيم السوفييتي آنذاك ستالين زود القوات اليهودية، بعد شهرين من قرار التقسيم في نوفمبر 1947 وقبل أربعة شهور من اعلان بن غوريون إقامة الدولة اليهودية، بنحو 60 ألف بندقية، خدمت الجيش الإسرائيلي ثلاثة عقود من الزمن.

لكن الصفقة الأهم هي تلك التي وقعت مطلع مايو 1948 وشملت تزويد إسرائيل بـ 25 طائرة حربية من طراز «مسرشميت» تبعتها صفقة أخرى شملت 56 طائرة حربية من طراز «سبيتفاير» فضلاً عن تدريب طيارين إسرائيليين في براغ، «. وإذا كان الدعم الرسمي السوفييتي مر عبر العاصمة التشيكية براغ فإن الدعم غير الرسمي كان أسبق من ذلك بكثير حيث كانت القوة العسكرية الصهيونية الأولى على أرض فلسطين قوة من المقاتلين اليهود الروس ذوي الميول الشيوعية وكانوا يتصورون الدولة الصهيونية - التي كانت آنذاك مجرد حلم - دولة اشتراكية على النمط السوفييتي

كما أن الاتحاد السوفييتي اعترف بإسرائيل في التوقيت نفسه الذي اعترفت بها فيه الولايات المتحدة لكن ثقافة الابتسار والتعليب - ومع سيطرة التيارين الماركسي والقومي المعروفين بتعاطفهما بل انحيازهما السافر إلى المعسكر الشيوعي - على الإعلام الرسمي العربي لسنوات جعلت صوتهم لفترة طويلة «الصوت الأوحد» وجعل تصوراتهم أقرب إلى التفسير المعتمد وجعل الانحيازات الأيديولوجية تحل محل الحقائق والوقائع.

والدرس التشيكي الذي يدعونا لإعادة النظر في بعض حقائق التاريخ لا يخلو من دلالات تتصل بقراءة الواقع فالانحيازات التي يتبناها المحللون السياسيون وبخاصة عندما تكون أغلبيتهم الساحقة منتمية لرؤية واحدة ويستسلمون لمقولاتها ووعودها على حساب الحقائق يمكن أن تصنع حجابا يحول دون إدراك الواقع على نحو صحيح، وما تشير إليه دروس الماضي لم يزل قائما في الحاضر وبالآليات نفسها،

وهو موضوع الدرس البليغ الثاني في تبديد الأوهام وقد جاء هذه المرة من موسكو وإن كانت عبرته تختلف عن عبرة الدرس الأول لكنهما يقرعان أجراس الإنذار للتحذير من تحول الأوهام إلى عالم فردوسي يعزلنا عن العالم الحقيقي ويقدم لنا إجابات مريحة - أو مخدرة - على أسئلة مؤلمة.