مرةأخرى نلاحظ أن مصير العالم يتوقف على ما سيحصل في منطقتنا. لقد استطعنا أن نشغل العالم على مدار السنوات الماضية كلها، بل وحبس أنفاسه أكثر من مرة بانتظار ما ستتمخض عنه الأحداث الحامية عندنا بعد غزو صدام للكويت، أو غزو أميركا للعراق. ولا يزال يحبس أنفاسه بسببنا أو من أجلنا بانتظار ما سيحصل في إيران ومنطقة الخليج العربي الإسلامي كلها.
هناك مشاكل كثيرة في مناطق مختلفة من العالم كمشكلة تايوان والصين، أو مشاكل أميركا اللاتينية، أو إفريقيا السوداء، أو مشكلة التنافس بين اليابان والصين، أو مشكلة -الصراع الهندي- الباكستاني، الخ. فلماذا لا تشغل العالم مثلما نشغله نحن؟ لماذا لا تطغى على نشرات الأخبار؟ وإلى متى سنظل الشغل الشاغل للعالم؟ للإجابة عن هذه الأسئلة المتلاحقة سوف أقول ما يلي:
يبدو أن كل مشاكل العالم متكثفة ومتركزة في منطقتنا العربية الإسلامية لعدة أسباب.
أولها وجود ثلاثة أرباع احتياطي البترول عندنا. ومعلوم أن أميركا تريد السيطرة الكاملة عليه لكي تفاوض الصين لاحقاً من موقع قوة. ولم يعد ينقصها إلا البترول الإيراني بعد العراقي لكي تحكم قبضتها على المنطقة برمتها، وثانيها هو أن صراع المائة عام، أي الصراع العربي-الإسرائيلي أصبح عالة على الغرب بل ويهدد الوحدة الوطنية داخل فرنسا ذاتها بسبب اشتعال الحساسيات بين الجالية العربية الإسلامية والجالية اليهودية.
ولكنه يهدد بدرجات متفاوتة أيضاً الاستقرار الاجتماعي في انجلترا، أو إيطاليا، أو بلجيكا، أو حيث توجد جاليات مهاجرة. وبالتالي فمن مصلحة الغرب أن يغلق هذا الصراع المزمن الذي طال أكثر مما يجب والذي ابتدأت حرائقه تصل إلى أبوابه. أقول هذا الكلام وأمامي تصريحات نائب رئيس جريدة «الفيغارو» الفرنسية السيد بيير روسلان بعد عودته من مؤتمر الدوحة في قطر عن الديمقراطية.
في الماضي ما كانوا يهتمون بهذا الصراع بعد أن خلقوه بأنفسهم وأبعدوه عن ديارهم. كان لسان حالهم يقول: فخار يكسّر بعضه...، أي فليتصارع العرب واليهود إلى ما لا نهاية... أما الآن فما عادوا يستطيعون أن يقولوا ذلك أو أن يستمروا على نفس الموقف. أصبحت لهم مصلحة في حسم الصراع بعد أن وصل إلى صحن الدار.
وثالثها هو أن الحرب العالمية الرابعة مع ما يدعونه بالإرهاب أو بالحركات الأصولية المتطرفة أصبحت الشغل الشاغل للغرب الأوروبي ـ الأميركي. لا يوجد مثقف أوروبي واحد إلا وهو يتحدث عن هذا الموضوع ويعطيه مرتبة الأولوية. قد يختلفون على كيفية تشخيصه أو معالجته ولكنهم لا يختلفون على أهميته أو أولويته.
وأصبحوا يقولون: إذا كنا قد انتصرنا في الحرب العالمية الثالثة، أي الحرب الباردة، على الاتحاد السوفييتي، فلماذا لا نستطيع أن ننتصر على «القاعدة» وكل من يتعاطف معها أو يقف خلفها في هذه الحرب العالمية الرابعة؟ وقد أصبحت عالمية لأنها تعني أيضاً الجاليات الإسلامية الموجودة في كل أنحاء العالم تقريباً وليس فقط في دول الاتحاد الأوروبي أو أميركا الشمالية.
فالخلايا النائمة أو المستيقظة قد تضرب في أي مكان وبدون العودة إلى قيادة «لقاعدة»، تماما كما ضربت في مدريد، ولندن، وأماكن عديدة. وبالتالي فالحرب مفتوحة على مصراعيها بدون أي أمل في المفاوضات لأنه لا يوجد عدو محدد لكي تتفاوض معه.
توجد فقط أشباح تتحرك في الظلام وتضرب في اللحظة المناسبة وتهرب... وبالتالي فالعملاق الأميركي يجد نفسه عاجزاً أمام «القزم» الأصولي الذي يناوشه ويوجه له الضربات الموجعة هنا أو هناك. ضمن هذا السياق ينبغي أن نموضع تصريحات الزرقاوي والظواهري الأخيرة التي تعتقد بأنها ستقصم ظهر أميركا.
ولهذا السبب فإن أميركا لا تستطيع أن تنسحب من العراق. والزرقاوي هو الذي سيطيل امد وجودها هناك. فهي إذا ما انسحبت سوف تفقد ماء الوجه وتخسر هيبتها ومكانتها بصفتها أكبر قوة في العالم. ولن تقوم لها قائمة بعدئذ.وربما حصل لها ما حصل للاتحاد السوفييتي بعد غزو أفغانستان. وهذا شيء لا يمكن تصوره في المدى المنظور.
لماذا؟ لان الولايات المتحدة قوة صاعدة لا هابطة على عكس الاتحاد السوفييتي.وهنا يكمن اكبر خطأ في التقدير ارتكبه الأصوليون عندما تهوروا واشتبكوا معها. وكان صدام حسين قد ارتكب نفس الحماقة. يضاف إلى ذلك أن انتصار المتطرفين سوف ينعكس على كل المنطقة ويقلب كل معادلاتها. وهذا ما يعرفه الاتحاد الأوروبي أيضاً. ولذلك انضم إلى أميركا أخيراً بعد أن اختلف معها جدياً بشأن غزو العراق. أما الآن فلم يعد يستطع أن يسمح لنفسه بترف الاختلاف.
فهزيمة أميركا تعني هزيمة الغرب كله واكتساح تيار بن لادن ليس فقط للمشرق العربي وإنما أيضاً للمغرب العربي الأقرب إلى فرنسا وأوروبا. بل إن انتصاره قد يصل إلى الجاليات العربية الإسلامية في أوروبا ذاتها وتنتج عنه عواقب وخيمة للجميع. ولم ينس الفرنسيون بعد قصة الحجاب أو انتفاضة الضواحي حيث اشتعلت النيران في كل مكان. نقول ذلك على الرغم من أن مشكلة الضواحي لها عواملها الموضوعية الوجيهة التي لا يمكن الاستهانة بها.
هكذا نلاحظ أن رهانات الصراع أكبر بكثير مما نظن. ولم تعد محلية أو إقليمية وإنما أصبحت كونية بحجم العالم. وذلك لأن الشرق الأقصى معني بها أيضاً وليس فقط الغرب الأوروبي-الأميركي. فهناك أقليات إسلامية ضخمة في الهند، والصين، وروسيا، هذا بالإضافة إلى مشكلة الباكستان وكشمير، وجمهوريات آسيا الوسطى.. والنار تحت الرماد هنا وهناك.
ولهذا السبب يقول الباحث الفرنسي أوليفيه روا صاحب كتاب «فشل الإسلام السياسي» أي الحركات المتشددة بأن العولمة والأصولية أصبحتا شيئاً واحداً. ثم يضيف الخبراء قائلين: مثلما ان الشيوعية شغلت الغرب طيلة الحرب الباردة على مدار خمسين سنة، فإن الأصولية المتطرفة سوف تشغله طيلة المرحلة المقبلة التي نعرف بداياتها (11 سبتمبر) ولكن لا نعرف نهاياتها.كل هذه التشخيصات صحيحة ولا غبار عليها.
ولكني أعتقد شخصياً بأن الرهان الأكبر لما يحصل حالياً يكمن في مكان آخر أشد عمقاً بكثير مما ذكرته حتى الآن. إنه أهم من البترول، ومن كل المعطيات الجيوستراتيجية، بل وحتى من الصراع العربي-الإسرائيلي. إنه من الأهمية والضخامة بحيث أني أتجرأ بالكاد على ذكره هنا أو الإشارة إليه بالبنان حتى ولو على سبيل التلميح لا التصريح. وذلك لأن الكلام أصبح محسوباً على صاحبه في العالم العربي الآن بعد التهديدات التي أطلقت على المثقفين السعوديين كالأستاذ غازي القصيبي أو الدكتور تركي الحمد أو سواهما. وهي تهديدات تخصنا جميعاً.
أعتقد أن الرهان الأكبر لما يحصل حالياً والذي قد يشغلنا طيلة الخمسين سنة القادمة يتعلق بانبثاق فكر جديد في العالم العربي الإسلامي وعقلية أخرى جديدة. فإما أن تظل عقلية بن لادن والظواهري والزرقاوي هي المهيمنة على الشعور الجمعي للجماهير، وإما أن تحل محلها عقلية جديدة لها ركائز في تاريخنا الزاهر أيام بغداد العباسية، أو مصر الفاطمية، أو قرطبة الأندلسية.
هذا بالإضافة إلى إنجازات عصر النهضة منذ محمد علي والطهطاوي في بدايات القرن التاسع عشر وحتى طه حسين وغيره في منتصف القرن العشرين. وبالتالي فالسؤال المطروح الآن ليس فقط: من سيقصم ظهر من في العراق أو غير العراق: هل هو ابن رشد أم الفقهاء المتشددون الذين قضوا على حضارة الإسلام وأدخلوها في نفق مظلم لم تخرج منه حتى الآن.
السؤال المطروح هو التالي: هل سينتصر تفسير محمد أركون وعبد المجيد الشرفي ومحمد الطالبي ونصر حامد ابو زيد ومحمد الشرفي وعشرات غيرهم على تفسير الإخوان المسلمين لكل تراثنا الديني العريق الممتد منذ أربعة عشر قرناً وحتى اليوم أم لا ؟
السؤال المطروح: هل سينتصر التفسير الوسطي والعقلاني المستنير لرسالة الإسلام الحنيف على التفسير الانغلاقي المتحنط الذي يهيمن علينا منذ عصور الانحطاط قبل سبعة قرون وحتى اليوم أم لا؟ السؤال المطروح : هل سننتصر على أنفسنا أم لا؟ وذلك لان الجهاد الأكبر أهم من الجهاد الأصغر الذي يتعلق به الأصوليون الغلاة.
هذا هو الرهان الأكبر لما يحصل الآن والباقي تفاصيل. وبالتالي فلا طيارات بوش ولا صواريخه هي التي ستحسم الأمور. على العكس سوف تزيدها تعقيدا كما هو واضح في العراق.فالمشكلة هي مشكلتنا أولاً وأخيراً.ولكن بما أننا دخلنا في عصر العولمة الكونية فإننا لا نستطيع ان نمنع الآخرين من التدخل فيها .نقول ذلك وبخاصة بعد أن أصبحت شظاياها تصل إليهم وربما ما هو أكثر من شظاياها!
كاتب سوري ـ باريس
