تتسارع الإشارات الإيجابية ـ ولو الأولية ـ وتتبلور مفردات المغازلة ـ ولو غير المباشرة ـ الأميركية الإيرانية؛ بشأن الملف النووي. قبل ثلاثة أيام جاءت المبادرة من طهران. أمس الأول ردت واشنطن بما يوحي بحصول استعداد للتلاقي في منتصف الطريق. لغة الطرفين ما زالت في حدود الخطوط العريضة والإعراب عن مرونة في الموقف. لكن مع ذلك، وفي ضوء الخلفية المعروفة التي تحكم علاقاتهما، يعتبر مثل هذا الاستعداد إنجازاً.

فليس بالأمر البسيط أن تجلس إيران مع من كان بمثابة «الشيطان الأكبر»، بالنسبة لها. كما ليس بالأمر العادي أن تقرر واشنطن ـ وبالذات هذه الإدارة ـ وضع حد للقطيعة التي دامت 27 سنة والتراجع عن تصنيف إيران في دول «محور الشر» المثلث؛ وعن رفض التحاور معها؛ بزعم أن مثل ذلك يمنحها «الشرعية».

طبعاً، الظروف تحكم في السياسة. وهي تغيرت وترتب على ذلك إعادة الحسابات وتبديل الأولويات. وإذ حظي هذا التحول بترحيب وارتياح كبيرين، في غير مكان وبالذات في منطقتنا المتعبة فإن السؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح هو: هل هذه الانعطافة المزدوجة أو هذا التطور من الجانبين، تكتيكي، لعلة في نفس يعقوب؛ أم أنه ترجمة لقناعة راسخة لدى الطرفين بأنه لا خيار أمامهما غير خيار التسوية في ضوء المعطيات القائمة على الأرض؟

من مصلحة المنطقة والجميع، أن تكون كفة الثاني راجحة. لكن أسباب الارتياب كثيرة ووازنة. فالجفاء مزمن والخصومة عميقة بين طهران وواشنطن.حبال الثقة بينهما مقطعة. لا تربطهما إلا الهواجس والشكوك المتبادلة. كما أن كليهما بحاجة إلى فسحة وقت. إيران لا تريد أن تجد نفسها في مواجهة مع المجتمع الدولي، إذا بقي الملف في عهدة مجلس الأمن.

وإدارة الرئيس بوش مكتوية بالوضع العراقي. ترتيبه يحتل موقع الأولوية لديها، الآن. كل ذلك يحمل على الاستخلاص بأن تحرك العاصمتين ربما جاء محكوماً بحسابات التفافية؛ وليس بحسابات تسوية قاطعة. كل واحدة ترمي من مبادرتها، إلى اختبار نوايا الآخر ورمي الكرة بملعبه؛ قبل العودة إلى مواقعها والتشبث من جديد بمواقفها.

ليس من المستبعد أن تكون الأمور كذلك. وجولات التفاوض بين إيران والترويكا الأوروبية على امتداد أكثر من سنتين؛ أخذت في معظمها، هذا الطابع: شد وجذب ولعبة حافة الهاوية. لكن ثمة عناصر جديدة مشجعة في التطور الراهن. إيران أطلقت في مبادرتها أكثر من إشارة نوعية: من الاستعداد لتقليص عدد أجهزة الطرد إلى التلميح بإمكانية التحاور المباشر مع واشنطن.

وتوقيت هذا الطرح له مغزاه فهو أتى غداة الكشف عن أهم عناصر الصفقة الأوروبية الجديدة لها والتي تتضمن ما يحفظ ماء الوجه. كما جاء في أعقاب ضغوط وعروض روسية وأيضاً صينية؛ بعد زيارة ايفانوف الأخيرة إلى طهران. من الجانب الأميركي، بات معروفاً في واشنطن أن الرئيس بوش وصل إلى قناعة راسخة تقول إن باب تحقيق الإجماع الدولي على فرض عقوبات عبر مجلس الأمن، على إيران؛ مقفل وإلى إشعار آخر.

وبالتالي فإن أية مجازفة عسكرية من غير هذا الإجماع ستكون محفوفة بمخاطر كبيرة. والمعروف أيضاً أن هذا الوقع سهل على الوزيرة رايس تمرير «الانفتاح» باتجاه الحوار مع إيران ـ في البداية بالاشتراك مع الأوروبيين ـ، مع تسليمها ولأول مرة «اعتراف الإدارة بحق طهران في النووي المدني». الموقف جديد وفيه ابتعاد عن السابق. وهو يشكل مع التناغم الإيراني، بداية تشكيل لمقومات مخرج سلمي ولطبخة صفقة؛ عسى أن تكون قد نضجت الظروف لتحقيقها.