من تابع التطورات الحاصلة في المنطقة خلال الأشهر القليلة الماضية، وتوقف بشكل خاص عند مستجدات الساحة اللبنانية، لا شك أنه لاحظ أن «إسرائيل» بدأت بالعودة المباشرة إلى لبنان، بعد أن مهّد لها أعوانها الطريق، وفتحوا الثغرات أمامها في المواقع القابلة للاختراق.

هذه العودة الإسرائيلية إلى لبنان، التي ظهرت بعض جوانبها في اغتيالات صيدا الأخيرة، كان لها في الواقع ما قبلها، بدءاً بالقرار 1559 وانتهاء بما يجري الآن على الساحة اللبنانية من سجال لا يمكن النظر إليه إلا من زاوية تلاقيه مع المشيئة الإسرائيلية، في ضوء مواقف وتحولات بعض رموز هذا السجال، وبالأخص الذين لم يستطيعوا كتمان التحاقهم بـ «إسرائيل» فبقوا البحصة، وقالوا: إن سورية هي العدو وليس «إسرائيل» ، «إسرائيل»، إذاً بدأت بالعودة المباشرة إلى لبنان هذه حقيقة يجب الاعتراف بها، والتوقف عندها، لاستشفاف ما يمكن أن تحمله الأيام القادمة من أخطار للبنان واللبنانيين، على قاعدة حيثما توجد «إسرائيل» على الأرض العربية يوجد الموت والخراب. ‏

وفي أوضاع كهذه أول ما يلفت الانتباه الحركة غير العادية لبعض الفرقاء الذين بحكم ارتباطاتهم المشينة يجدون أنفسهم مجبرين على التنافس في ما بينهم على صعيد تقديم الخدمات العملياتية لـ «إسرائيل» لتأكيد مصداقية أقوالهم السابقة: سورية هي العدو والعدو من ورائكم. ‏

على هذه الأرضية تعج الساحة اللبنانية هذه الأيام بتحركات ومواقف لم يألفها اللبنانيون من قبل. فهذا البوق مثلاً يدعو لضبط السلاح الفلسطيني في المخيمات وخارجها ويرى في ذلك مهمة ما بعدها مهمة للحكومة، فيزايد عليه البوق الآخر بالمطالبة بتجريد المقاومة الوطنية من سلاحها، أو يطالب الأول بإقامة أفضل العلاقات مع الولايات المتحدة وهو يعني بالطبع «إسرائيل» فيرد عليه الثاني مطالباً بالسماح بعودة العملاء اللحديين من «إسرائيل» دون مساءلة وهكذا دون أن ينسى الفريقان إظهار أشد حالات العداء لسورية، وتوجيه مختلف الاتهامات لها لكون ذلك أحد أهم شروط القبول بالامتحانات الإسرائيلية. ‏

ولكن الواقع يؤكد أن لبنان ليس هذا الفريق ولا ذاك، إنه لبنان العروبة والمقاومة... لبنان تقديس الشهادة، وإعطاء الأبطال حقهم، ووضع الصغار والأعوان حيث يجب أن يكونوا، وهذا ما يقض مضاجع الأميركيين والإسرائيليين. ‏