لقد فرضت الصين على وجه الخصوص قيمها ومعاييرها الخاصة على الغرب وألزمته حد العقلانية بعد طول مضايقات حول حقوق الانسان وأزمة خليج تايوان وملف كوريا الشمالية النووي وغيرها من القضايا وهي مضايقات واجهتها بكين بحزم دون ان تنسى علاقاتها التقليدية المساندة للقضايا العربية، بل عاد العملاق الصيني للتأكيد على حرصه على مساندة القضية الفلسطينية بصفتها قضية العرب الاولى، وضربت الصين عرض الحائط بالمحاولات الاسرائيلية الاميركية لتعميق المخاوف من ما تروج له (اسرائيل واميركا) من دعاوى التطرف الاسلامي وما قد يجره ذلك على مشكلة عرقية في الصين تتعلق بقومية (اليوغور) الاسلامية.

لكن الاحتفالية التي اقيمت امس بمناسبة مرور نصف قرن على العلاقات العربية الصينية وهذا الحضور القوي في المنتدى العربي الصيني ببكين للقضية الفلسطينية ممثلة في حضور وزير الخارجية الفلسطيني محمود الزهار أكد أن الصين ملتزمة بقضايانا المصيرية وليست على استعداد للمراهنة على هذا الالتزام تحت أية ضغوط خاصة وان اسرائيل أقامت الدنيا ولم تقعدها بسبب المحادثات بين وزير الخارجية الصيني لي تشاو شينغ وبين محمود الزهار باعتبار ذلك خروجاً على الاجماع (الغربي) بمقاطعة حكومة حماس حتى تعترف بإسرائيل.

لكن الناطق باسم وزارة الخارجية الصينية أكد على دحض المخاوف الاسرائيلية وأكد ان مصالح الصين مع العرب والشرق الاوسط عموما مهددة بسبب التوتر الذي تسببه اسرائيل في المنطقة ومن ثم فإن بكين معنية بتهدئة الاوضاع والحرص على علاقات متوازنة بين اسرائيل وفلسطين، وفي هذا الموقف اختراق واضح للجمود الغربي المفروض على الجانب الفلسطيني حيث تتعامل بكين مع الجانب الفلسطيني على أنه يمثل دولة قائمة بالفعل وان المسألة مسألة وقت ليس الا حتى يتم الاعلان عن هذه الدولة حسبما تؤكد المواثيق والتفاهمات الدولية.

ولعل السفير الصيني في القاهرة كان واضحا جدا وهو يؤكد أن الانتقادات الاسرائيلية للصين غير مقبولة وذلك عقب لقائه مع أمين عام جامعة الدول العربية عمرو موسى هذا الاسبوع.

لقد أحسن الصينيون صنعا بالمساهمة في كسر الحصار المفروض على الفلسطينيين وبعزمهم على المضي قدما في تعزيز علاقاتهم الراسخة مع الدولة العربية، لكننا سنظل نأمل في المزيد من المواقف الايجابية من جانب بكين في ظل المستجدات الدولية التي تضغط في غير صالح القضايا العربية. كما ان على الجانب العربي أن ييمم وجهه شطر المشرق بعدما لاقاه من تجاهل لقضاياه من الدول الغربية التي ترى كل شيء بعيون اسرائيلية، فانتعاش العلاقات مع الصين سيوجد توازنا حتميا لصالح العرب مع كل الأطراف وعلى الذين ظلوا طويلا يقدحون في المواقف الصينية او يتهمونها بمعاداة حقوق الانسان ان يمعنوا النظر في الاسباب التي تدفع الاعلام الغربي الى هذه المزاعم، في ضوء الحزم الصيني في التعامل مع الجشع الرأسمالي الذي طال مداه ومساعي الهيمنة بالقوة المسلحة على الشرق الاوسط وفرض قيم ظاهرها الرحمة وباطنها العذاب، ولنستذكر جيدا عدد الضحايا من العرب الذي سقطوا تحت الغطرسة الغربية خلال السنوات الخمس عشرة الماضية لعلنا نفلح من خلال هذا الاستذكار أن نقدر لأرجلنا قبل الخطو موضعها.