انفض يوما الحوار الوطني الفلسطيني دون حسم للقضايا الخلافية ودون وضع أمل حقيقي بانفراج داخلي ينهي حالة الاحتقان والتوتر وعدم الاستقرار داخل المجتمع الفلسطيني. فالمؤتمر الذي انعقد على مدى يومي الخميس والجمعة الفائتين أحال مشاكله إلى لجنة من المقرر أن تنهي أعمالها خلال عشرة أيام طبقا لما طلبه الرئيس الفلسطيني محمود عباس الذي اعتبر البعض هذه المهلة بمثابة تهديد لحركة حماس إذا لم توافق على وثيقة الأسرى التي خرجت من السجون بهدف خلق إجماع وطني فلسطيني سياسياً وداخلياً.

والوثيقة هي من بنات أفكار القائد الأسير مروان البرغوثي الذي اقترحها على قادة أسرى آخرين داخل سجنه وحاولت حركة حماس التقليل منها بأن قالت إنها لا تمثل سوى قادة أسرى في سجن واحد وهو سجن «هداريم» لكن قادة الأسرى من حماس وحركة الجهاد أكدوا أنهم يمثلون كل الأسرى لاحقاً وهذا أضفى شرعية جماعية على الوثيقة التي اصطدمت بمعارضة قادة حماس في جلسات الحوار الوطني لبندين مهمين وهما وحدانية منظمة التحرير كممثل شرعي للشعب الفلسطيني والاعتراف بالقرارات الدولية.

وهما بندان تحفظت عليهما حماس وفي النهاية تم الاتفاق على تطوير منظمة التحرير وفقاً لاتفاق القاهرة ولكن لجنة الحوار التي ستتولى مناقشة القضايا الخلافية لن تستطيع جسر الهوة لأن حركة حماس ما زالت متمسكة بموقفها فيما يخص قرارات الشرعية الدولية فهي ترى أن فيها ما هو في صالح القضية وفيها ما هو في غير صالحها..

وبالتالي فانها لم تعترف بعد حتى بالمبادرة العربية وهي مبادرة رفضتها إسرائيل في حينه واعتبرتها حبرا على ورق لأنها تربط الاعتراف بإسرائيل بانسحاب إسرائيلي كامل من الأراضي المحتلة عام 1967 بما فيها القدس الشريف. لكن الرئيس الفلسطيني محمود عباس حدد مهلة للجنة لكي تتوصل الى اتفاق خلال عشرة أيام وإلا فانه سيلجأ إلى استفتاء شعبي..

وهذا يعني عملياً إعادة قضية الخلافات الى الشعب بما يحمله ذلك من أبعاد أخرى كالاستفتاء على أداء حكومة حماس الحالية. فالرئيس لا يملك صلاحية حل المجلس التشريعي وإن امتلك صلاحية حل الحكومة..

لكن اللجوء إلى الاستفتاء من شأنه لاحقاً فتح الطريق أمام استفتاء شعبي على الحكومة والدعوة إلى انتخابات مبكرة لإنهاء المأزق الفلسطيني الداخلي الذي بات لا يطاق مع استفحال الأزمة الاقتصادية والمالية والتجييش المستمر في غزة والاشتباكات والاغتيالات المتلاحقة بين حركتي حماس وفتح وظهور القوة التنفيذية الخاصة بوزير الداخلية ونضوب مدخرات الموظفين الذين طال شهر مارس ليستمر حتى يونيو دون رواتب.

وبدأ الفلسطينيون يتندرون على ذلك بتداول نكات كثيرة كقولهم «ساق الله على أيام الفساد.. كنا نقبض ولا نعمل.. وصرنا نعمل ولا نقبض» أو بعد ان تم العثور على مبلغ 600 الف يورو في حزام على جسد الناطق باسم حماس في معبر رفح حيث قيل أن حماس انتقلت من الأحزمة الناسفة الى الأحزمة النقدية» ومع أن الكثير من أهالي القرى جمعوا تبرعات لمساعدة الموظفين بالحد الأدنى إلا أن هذا لا يحل المشكلة ويقول أنصار فتح إن حركة حماس غير معنية بدفع الرواتب لأن اغلب الموظفين من حركة فتح..

وهي كحركة غنية تدفع لأنصارها وتنظيمها مخصصاتهم ويجوب خطباء ونواب من حماس المساجد لحث الناس على الصبر والصمود مستلهمين أمثلة من السيرة النبوية والتاريخ ولكن في الحصار الذي يعيشه الشعب الفلسطيني يبدو متعذراً الصمود مطولا بل إن القمع الإسرائيلي ازدادت وتيرته وإذا كان ذلك مدعاة لانتفاضة ثالثة في ظروف عادية الا انه في حالة الحصار مدعاة للخنوع وليس للانتفاض.

وقد ظهرت دعوات أثناء جلسات الحوار الوطني لتشكيل حكومة من التكنوقراط والمستقلين بهدف استئناف تدفق الأموال على السلطة الفلسطينية وهذا الاقتراح حظي على تأييد بعض رموز حركة فتح وعلى رأسهم أبو مازن وبعض شخصيات حماس لكن الأمر يتطلب موافقة قادة حماس في دمشق وثمة توجه لايفاد وفد الى دمشق لبحث هذا الموضوع. حيث ان اقتراح تشكيل حكومة وحدة وطنية بات مستبعدا بسبب الفيتو الأميركي القاطع على مشاركة حماس فيها.

ويبقى احتمال حكومة التكنوقراط هو المخرج ولكن هل يكتب له النجاح؟ وكان نواب من حماس وفتح التقوا محمود عباس على هامش جلسات الحوار الوطني واقترحوا عليه حكومة ائتلاف وطني لكن أبومازن أبلغهم أن القنصل الأميركي ابلغه صراحة أن الإدارة الأميركية تعارض مثل هذه الحكومة بسبب مشاركة حماس فيها.. واستحسن أبو مازن اقتراح حكومة التكنوقراط المستقلة ووعد بأخذ رأي المجتمع الدولي بشرط أن توافق عليه حماس الداخل والخارج.