كان أمراً متوقعاً ألا تفضي محاولات إدارة بوش لإصلاح الاستخبارات الأميركية وسط حرب وسلسلة لا متناهية من العواصف السياسية إلى نتائج جيدة. اذ قامت إدارة بوش باستحداث مكتب مدير الاستخبارات الوطنية بناء على توصيات لجنة «11 سبتمبر» المستقلة. وتم تحويل صلاحيات مدير الـ «سي آي ايه» في إدارة وكالات الاستخبارات الأميركية البالغ عددها ست عشرة إلى مدير الاستخبارات الوطنية.

وكانت هناك علامات استفهام حول الحكمة من تمزيق وكالة الاستخبارات المركزية وإضافة مستوى جديد كامل من البيروقراطية إلى سلك الاستخبارات. وكانت هناك أسباب مقنعة لإصلاح وكالة الاستخبارات المركزية وفق نهج نزيه ودقيق. فلقد ارتكبت العديد من الأخطاء في الحكم على العديد من الأمور خلال العقد المنصرم، كما انها كانت على صواب في الحكم على العديد من الأمور الأخرى. وسمع الجميع عن بعض الأخطاء الكبيرة لكن لم يسمع سوى القليل عن النجاحات الكثيرة التي حققتها الوكالة.

لكن الإصلاح على عجالة، حتى ولو كانت بعض أسبابه صحيحة، أوجد، كما كان متوقعاً، منظومة بيروقراطية جديدة ليست اكثر فعالية أو كفاءة من صنيعة إدارة بوش الأخرى، المتمثلة في وزارة الأمن الداخلي.

ومع ان البيروقراطية المتصلبة كانت تشكل احدى اكبر مشاكل الـ «سي آي ايه»، فإن مدير الاستخبارات الوطنية جون نيغروبونتي جمع حوله كادراً مهولاً يتألف من أكثر من ألف موظف بيروقراطي استخباراتي بميزانية سنوية تتجاوز المليار دولار. وهكذا فإن نيغروبونتي، وليس مدير الـ «سي آي ايه»، هو الآن المسؤول عن تقديم الايجاز الاستخباراتي للرئيس بوش كل صباح عما يجري في العالم وماهي دلالاته?

ونيغروبونتي، وليس الـ «سي آي ايه»، هو الآن المسؤول عن العلاقات مع أجهزة الاستخبارات الأجنبية التي كانت تشكل أكبر مصدر معلومات لوكالة الاستخبارات المركزية «سي آي ايه».

وقد يبدو من الطريقة التي آلت اليها الأمور بعد اقالة مدير الـ «سي آي ايه» بورتر غوس، هو عضو كونغرس جمهوري سابق، وترشيح مساعد نيغروبونتي الجنرال في سلاح الجو مايكل هايدن، لإدارة الـ «سي آي ايه» قد يبدو ان نيغروبونتي سجل بضع نقاط في صراعه على النفوذ مع وزير الدفاع دونالد رامسفيلد.

لكن الانتصارات على رامسفيلد، المعروف بشراسته وعناده، غالباً ما تكون انتصارات آنية سريعة الزوال. فرامسفيلد يسير على الجزء الأكبر من ميزانية الاستخبارات السنوية للولايات المتحدة والبالغة 40 مليار دولار، وهو منهمك الآن في بناء وكالات خاصة به لجمع الاستخبارات والعمل السري، ابقاها خارج حدود سيطرة واشراف نيغروبونتي، أو لجان الاستخبارات في الكونغرس.

إن القاء غوس ومساعديه من النافذة جلب على الأقل ايقافاً مؤقتاً لعمليات التطهير السياسي في وكالة الاستخبارات المركزية «سي آي ايه» التي حاولت الإدارة ان تحملها مسؤولية اخفاقاتها في العراق. كما يعلم كل الذين تابعوا تغطية وكالة «نايت ريدر» الصحافية خلال السنوات الأربع الماضية.

فإن جهاز الاستخبارات كان مخطئاً بشأن أسلحة العراق الكيماوية والبيولوجية، لكن الكثير من المحللين الاستخباراتيين ان لم نقل معظمهم، كان مصيباً بشأن برنامج صدام حسين النووي المحتضر وصلاته غير الموجودة مع تنظيم القاعدة وبشأن مخاطر تصديق عراقيي المنفى في كل شيء.

لكن عناصر الاستخبارات الرئيسيين دفعوا باهظاً ثمن خطاياهم الحقيقية والمتخيلة، وأخطاء زعمائهم السياسيين الأكثر فداحة، وجلب غوس معه إلى الـ «سي آي ايه» مساعديه لاستئصال العناصر النشاز التي قد لا تتفق مع رؤى القيادة السياسية، وذلك كله في وكالة استخبارات كانت تعتبر في يوم من الأيام من ألمع أجهزة الاستخبارات في العالم.

موظف ديمقراطي؟ فليرحل. موظفة تحدثت إلى وسائل الإعلام. فلترحل. ومقابل كل موظف طرده رجال غوس، استقال أو تقاعد ثلاثة أو أربعة آخرون تعبيراً عن احتجاجهم أو اشمئزازهم، بما في ذلك بعض أفضل النخب العاملة في الوكالة المحاصرة.

ولقد رشح الرئيس بوش الآن مايكل هايدن لرئاسة الـ «سي آي ايه» والبدء في إصلاح الخراب الذي خلفه غوس وزمرته. وقد واجه هايدن في الكونغرس أسئلة عن دوره كمدير لوكالة الأمن القومي، في مراقبة بعض المكالمات الهاتفية سراً في أميركا دون أس أساس قانوني غير قرار الرئيس بوش بأنه هو من يقرر كيفية تطبيق الدستور وقانون الحقوق.

ولم ينجح أي إجراء حتى الآن في إصلاح الأخطاء العديدة التي ترافق طريقة جمع وتحليل المعلومات الإستخبارية التي تقدم للرئيس في الإيجاز اليومي الصباحي أو إصلاح المخططين الذين عليهم استنباط طرق للتعامل مع إيران وكوريا الشمالية بشأن طموحاتهما النووية.

في هذه المرحلة الحاسمة من تاريخ أميركا من الأهمية بمكان توفير أفضل المعلومات الإستخبارية على الإطلاق باستخدام أفضل وسائل جمع وتحليل المعلومات على الإطلاق للرئيس. لكن هذا لا يحدث الآن ولن يحدث لشهور أو حتى لسنوات مقبلة، وذلك بسبب هذه الإدارة، وخاصة نائب الرئيس الذي يفضل الولاء السياسي على الكفاءة في العمل. وكل هذا يذكرنا بالسطر الشهير في سلسلة رسوم «بوغو» الكرتونية، والذي يقول «لقد قابلنا العدو، واكتشفنا أنه نحن».

خدمة لوس انجلوس تايمز

خاص لـ «البيان»