إن أسوا ما يحدث في رقعة الشطرنج وفي العلاقات الدولية هو نقلة الكش مات الخاطئة التي تقلب رقعة الشطرنج الى فوضى عارمة بحيث أن من يعتقد انه اقترب من النصر قد يلاقي هزيمة عارمة.
ويبدو ان نقلة الكش مات التي أقدمت عليها الولايات المتحدة باحتلال العراق عام 2003 والتي كان الغرض منها محاصرة جميع القوى الراديكالية التي تهدد المصالح الأميركية ومصالح إسرائيل، أضحت مأزقا أميركيا بفعل جملة من الظروف غير المحسوبة على رأسها قرار إيران استئناف نشاطاتها النووية الحساسة وإصرارها على الوصول بها إلى ابعد الحدود.
تلك الحدود التي لا يمكن السماح بها في الشرق الأوسط. فالولايات المتحدة وحليفتها إسرائيل لم تغفر للنظام العراقي السابق سعيه المستمر لامتلاك التكنولوجيا النووية حيث ضربت إسرائيل مفاعل تموز العراقي عام1981 على الرغم من تأكيدات الجانب العراقي في وقتها على انه مخصص للأبحاث الزراعية والطبية ولكن طالما كانت القواعد شبه ثابتة في الشرق الأوسط (العين لا تعلو على الحاجب).
ايران اليوم لم تخرق قواعد الولايات المتحدة وحلفائها فحسب بل إنها تهدد كل من سيحاول عرقلة مشروعها النووي. فالرئيس الايراني الأسبق علي اكبر هاشمي رفسنجاني قال إن إيران لها الحق في امتلاك التكنولوجيا النووية وان الغرب سيندم اذا خلق مشاكل لإيران. وفي الاتجاه نفسه جاءت تصريحات امين عام مجلس الأمن القومي الايراني علي لاريجاني بالقول إن ايران قادرة على إيذاء الدول الغربية إذا ما حاولت تلك القوى إيذاء إيران.
أما رسالة الرئيس الايراني احمدي نجاد بعد حوالي 30 عاما من انعدام اي شكل من أشكال الحوار المباشر بين ايران والولايات المتحدة فانها بليغة الى أقصى حد خاصة ذلك المقطع الملفت للانتباه والذي يقول فيه «ويتم إنفاق مئات المليارات من الدولارات من خزانة بلد ما وعدد من البلدان الأخرى.
بالإضافة الى إرسال عشرات الآلاف من الرجال والنساء الشباب والشابات في وضع سيئ بعيدا عن اعزائهم وعوائلهم حيث تتلوث أيديهم بدماء الآخرين وهناك من تعود أجسادهم إلى عوائلهم قتلى».
هذا الجزء هو قلب تلك الرسالة لأنه لا يصف وضع القوات الأميركية وحلفائها في العراق في الوقت الحاضر فحسب بل انه باللغة الفارسية يعني أن الولايات المتحدة سوف تتعرض لأقصى الخسائر اذا ما فكرت في ضرب إيران او فكرت إسرائيل بتوجيه ضربة إلى المفاعل النووي الإيراني شبيهة بضربة مفاعل تموز العراقي. أما بالنسبة للولايات المتحدة فبالإضافة إلى كل البيادق التي لم يحسب حسابها جيدا في العراق فان ايران كسرت نقلة الكش مات التي تفاخر بها الساسة الأميركيون فواشنطن تدرك ملياً ان الوضع في العراق بدأ يخرج عن نطاق سيطرتها فهي لم تتلق الزهور التي وعد جورج بوش شعبه وقواته بها في العراق.
إن قوات بوش في العراق تخوض حربا دائمة مع جميع الأطراف خسائرها مستمرة وأرباحها مؤجلة وبالتالي فهي لا يمكن أن تضمن الأرض في أي حرب محتملة يمكن أن تشنها إيران على القوات الأميركية في العراق خاصة أن هذه الحرب لن تكون بالطريقة التقليدية المكشوفة فإيران بعد 2003 في العراق أضحت تملك حلفاء ومريدين وأتباعا داخل العراق على استعداد لخوض حرب دامية على القوات الأميركية سوف تكون فيتنام مقارنة بها نزهة.
سؤال الذي يطرح في خضم هذه النقلات هل نقلة الكش مات التي أداها بوش كانت استراتيجية للعراق أم إنها تكتيك في استراتيجية الشرق الأوسط الكبير ؟ وهل ستفكر واشنطن طويلا في نقلتها القادمة حيال طهران ام إنها ستدفع بالأخيرة إلى الاعتقاد أن اللكمات التي تتلقاها واشنطن في العراق كفيلة بان تجعل من ايران هي من يحرك بيدقها النووي وقد تجرب حظها في لعبة الكش مات التي سئمت الولايات المتحدة من تداعياتها في العراق.
كاتبة عراقية