غادر السبت 27/5/2006م الأخضر الإبراهيمي، الخرطوم بعد انتهاء مهمته الأممية الخاصة بدور الأمم المتحدة في إقليم دارفور بعد توقيع اتفاقية أبوجا للسلام. ومع مغادرته ترك النظام السوداني أكثر ارتباكاً وتردداً وعدم وضوح، على الأقل على مستوى الخطاب المعلن.

فقد ظهر النظام وكأنه لم يقبل المهام الأممية المتوقعة نتيجة قرار مجلس الأمن الأخير. وهذا الموقف طبيعي حسب منطق الأحداث التي حركها النظام خلال الفترة الأخيرة. فالنظام قام بتعبئة الشارع ضد القرار وجيّش أنصاره ومنظماته الشعبية الحكومية، واقسموا على جعل دارفور مقبرة للغزاة.

ومن الجانب الآخر،شرعت الأمم المتحدة في تنفيذ القرار وبدأت في مرحلة خطوات التنفيذ بدءا من زيارة الموفد ثم بعثة تقييم الوضع. وجاء الإبراهيمي وتصريحات الرفض تتعالى وانضم المجلس الوطني (البرلمان) لحملة الرفض كطليعة ستقود وقف التدخل الأممي خاصة لو كان تحت البند السابع الذي يبيح استعمال القوة لتنفيذ قرارات الامم المتحدة.

مع نهاية الزيارة: كيف يمكن تقييمها من بدء انطلاقها وحتى عودة الإبراهيمي، خاصة وقد نفى بحزم أن زيارته فاشلة. ولكن في نفس الوقت حاول النظام أن يترك انطباعاً أنها ليست ناجحة. ويبدو أن اختيار الإبراهيمي في حد ذاته كان بداية نجاح للمهمة. فقد جنب النظام مواجهة مندوب غربي أو خواجة يعبر لديهم عن عنجهية الأمم المتحدة وعن سيطرة الغرب والأميركان على المنظمة.

خاصة وأن الإبراهيمي كثيراً ما يمثل الأمين العام للأمم المتحدة في المناسبات الخاصة بحوار الحضارات والتفاهم مع المسلمين والتعايش معهم. يضاف إلى ذلك أن الإبراهيمي معروف لدى السودانيين وكان السودان من أوائل الدول التي عمل بها سفيراً للجزائر.

كان من الواضح من التصريحات الكثيرة المتناقضة، أن النظام يدعو الله أن يجعل له مخرجاً. وجاء الإبراهيمي بروح المنقذ والمخلّص لذلك لم تستفزه تصريحات الرفض العالية النبرة من مسؤولين طوال زيارته يكررون الرفض ثم بعد أيام قليلة استدركوا بتعداد الشروط واللاءات الخاوية. وظهر توزيع جديد للأدوار يحفظ للنظام ماء وجهه. لذلك لم يصرح الرئيس البشير رغم قسمه المغلظ سابقاً بأي تصريح يحمل روح التحدي. وحتى وزير الخارجية لام أكول.

بينما بقي وزير الدولة بوزارة الخارجية متمسكاً بالرفض، وفي نفس الوقت كان وزير الدولة الآخر والذي قاد حملة الهجوم على أميركا والأمم المتحدة، قد عاد لتوه من أميركا وهو يلج بشكرها، ولذلك لم يعارض التدخل.

أظهرت طريقة إدارة موضوع إرسال قوات أممية إلى دارفور أزمة مركزية اتخاذ القرار داخل النظام. فهناك تعددية معكوسة وسلبية إذ تحول النظام إلى مجموعات أو مراكز صغرى متعددة تتضارب مصالحها وبالتالي تتضارب قراراتها أو فلنقل تصريحاتها. ففي النهاية - وبعد فوضى وارتباك ـ تقرر المجموعة القابضة أو الأقوى في تلك اللحظة وتحدد رد الفعل وتعمل على التنفيذ.

ولكن في كل مرة لا يحسم موضوع اتخاذ القرار أي ظهور مجموعة منتصرة تخضع أو تحتوي المجموعات الأخرى بهدف تجانس ووضوح رؤية السلطة الحاكمة أو الشريكة. فمن المفارقة أن مصدر الارتباك ليس الحركة الشعبية لتحرير السودان، الشريك في السلطة والمنافس المحتمل. فهذا يعني أن حزب المؤتمر الوطني ما زال غير موحد حول رؤية وآليات واضحة لحكم البلاد. وعلينا ألا ننسى أن الاتفاق الوحيد كان ضد الترابي وجماعته. ولكن هذا الموقف لا يمثل سياسة ثابتة أو خطا سياسيا محددا.

صار القرار المضطرب سمة مميزة للحكومة الحالية والتي يصر البعض على تسميتها بحكومة الوحدة الوطنية رغم استمرار هيمنة المؤتمر الوطني في شكل جديد، ليس بسبب نسبة 52% الأكثر ولكن لأن الإنقاذيين ظلوا ممسكين بالسلطة الحقيقية حتى في الوزارات التي تقلدتها عناصر الحركة.

فالخدمة المدنية لم يمسها التغيير لذلك يمكن لوكيل الوزارة ومساعديه والمدراء أن يحركوا الوزارة تاركين الوزير أو الوزيرة معلقين في سماء مجلس الوزراء. وهذا ما يبدو أنه قد حدث في الوزارات الخدمية رغم أهميتها، مثل وزارة التعليم العالي والتعليم العام والصحة.

إذ لم يستطع الوزراء إحداث أي تغييرات تذكر واستمرت الوضعية السابقة لتوقيع اتفاقية السلام الشامل. ولعل الاجتماع المشترك للمؤتمر الوطني والحركة الشعبية الذي انعقد مطلع هذا الأسبوع معّدل هذا الوضع في اتجاه حكومة وحدة وطنية حقيقية.

يحتاج السودان إلى سلطة مركزية قوية وواضحة السياسات في الفترة الانتقالية. لأن مهام أي فترة انتقالية هي وضع أسس مستقبل الحكم في البلاد. ويناط بمثل هذه الحكومة تنفيذ بنود اتفاقية السلام الشامل واتفاقية أبوجا وحل مشكلة الشرق وأي مشاكل صغرى أخرى. ويكمن الخطر على السودان حين يكون في السلطة دولة فاشلة أو رخوة أو منقسمة في ظروف حرجة تحتاج لحسن التقدير والحسم معاً، وهذا ما نفتقده الآن. وكانت زيارة الإبراهيمي قد مثلت مخرجاً لنظام الخرطوم.

فالرجل لم يكن دبلوماسياً دولياً فقط بل يحاول أن يكون صديقاً يساعد نظاماً مأزوماً. لذلك ردد أكثر من مرة في المقابلات الإعلامية، القول: أننا لا نريد أن يخرج النظام. وقد وجد للنظام مخرجاً جيداً بالربط بين القوات الأممية وقوات الاتحاد الأفريقي التي يصر عليها نظام الخرطوم رغم علمه بقدراتها ولكنه يظن إمكانية اختراقها.

والآن ستكون قوات الاتحاد الأفريقي تحت رعاية الأمم المتحدة ومع ذلك سيؤكد لنا النظام أنه رفض الأمم المتحدة والغزو الأجنبي وسوف تأتي قوات الأمم المتحدة وفق التراضي الإجباري مع النظام. وهكذا خرج النظام من الحرج أمام شعبه وأمام المجتمع الدولي، ونتمنى أن يكون النظام قد تعلم درساً ما. ولتكن مناسبة للتخلي عن الحديث بأكثر من لسان وعدم اللجوء إلى الخداع والمناورة.

فنحن الشعب السوداني قد نمرر الأكاذيب والخدع تقية أو خوفاً صراحاً، ولكن النظام العالمي الجديد ليست به ثغرات لنظم خداعة ومناورة. لذلك من الأفضل أن تصدق مثل هذه النظم السياسية مع شعوبها أولاً لتواجه العالم وهي مستندة على شرعية حقيقية.

كاتب سوداني