صادفت أن تزامنت زيارة رئيس وزراء إسرائيل إيهود أولمرت «الناجحة» إلى واشنطن مع الاحتفالات التي أقامتها فصائل المقاومة اللبنانية في لبنان بمناسبة تحرير الجنوب اللبناني من الاحتلال الإسرئيلي الذي استمر لأكثر من خمس وعشرين سنة من جهة، والحديث الجاد من قبل السياسيين الأميركيين والبريطانيين عن حتمية الانسحاب العسكري وفقاً لجدول زمني محدد من العراق من جهة أخرى.

هذا التزامن جاء مفيداً وإن بالصدفة لمن لديه شكوك، ليس فقط حول نجاعة المقاومة لدحر أي احتلال أجنبي ولكن حول ضرورة انتهاج مبدأ المقاومة بكل وسائلها إلى جانب المفاوضات السياسية في حال توفرها.

ففي زيارته إلى واشنطن طلب أولمرت تأييد الإدارة الأميركية لخطته وخطة سلفه آرييل شارون بترسيم حدود إسرائيل دون موافقة الفلسطينيين إذا لزم الأمر. وقد شكك أولمرت خلال مقابلة مع إحدى المحطات التلفزيونية الأميركية بقدرة رئيس السلطة الوطنية الفلسطينية محمود عباس على التفاوض بحجة أنه غير قادر على تمثيل حكومة تتزعمها حركة حماس.

ومن أجل تلميع صورته السياسية وممارسة الضغط على السياسيين الأميركيين التنفيذيين والتشريعيين أعلن أولمرت عن نيته تفكيك بعض المستوطنات اليهودية المعزولة في الضفة الغربية وإقامة حدود دائمة لإسرائيل بحلول عام 2010.

وأكد أنه سيستعمل كل الإمكانيات المتاحة من أجل تنسيق انسحاباته مع الفلسطينيين قبل القيام بخطوات آحادية، علماً أنه أشار إلى أن الحكومة الإسرائيلية لن تتفاوض مع حكومة تتزعمها حركة حماس إلا بعد أن تعترف الأخيرة بإسرائيل وتتخلى عن «العنف».

كما أكد أولمرت أن إسرائيل تحتفظ بحقها في الانسحاب من الضفة الغربية بينما تحتفظ بأراض في الضفة لاسيما تلك التي تضم تجمعات سكانية رئيسية في حالة فشل المحادثات مع الجانب الفلسطيني. لكن أولمرت طبعاً كغيره من أسلافه السياسيين لم يشرح للعالم عن الطرف المخول دولياً لتحديد الطرف المسؤول عن فشل المحادثات.

في المقابل أعلن الرئيس الأميركي جورج بوش أثناء اللقاء الأول الذي ضمه مع أولمرت بعد تولي الأخير رئاسة وزراء إسرائيل الشهر الماضي دعمه لسياسة الانسحابات الآحادية التي تنوي الحكومة الإسرائيلية تنفيذها في الضفة الغربية، واصفاً إياها «بالأفكار الجريئة» التي «يمكن أن تمثل خطوة مهمة» نحو السلام.

وكان الرئيس بوش قد ألمح في عام 2004 إلى استعداد الولايات المتحدة للقبول باحتفاظ إسرائيل بالكتل الاستيطانية الضخمة في الضفة الغربية، حيث وصف بعض المستوطنات الرئيسية بأنها «حقائق على الأرض»، متجاهلاً حق الشعب الفلسطيني الطبيعي والتاريخي في كامل أرضه المحتلة والقرارات الدولية التي تضمن هذه الحقوق.

إلا أن الرئيس بوش لم ينس «مشكوراً» أن يحث حليفه أولمرت على ضرورة استئناف محادثات السلام المباشرة مع الفلسطينيين لإنها الحل الذي لا مفر منه. وقد أعرب الرئيس بوش عن اعتقاده بأن الوصول إلى تسوية مع السلطة الوطنية الفلسطينية بقيادة الرئيس محمود عباس لا يزال ممكناً، مديناً في الوقت نفسه الحكومة الفلسطينية التي تقودها حركة حماس.

وهنا ميز الرئيس الأميركي بين الرئيس عباس، الذي قال إنه «يتحدث من أجل السلام»، وبين حركة حماس التي قال إنها «لا تتحدث من أجل السلام»، وكأن المشكلة الأساسية والجوهرية تكمن في مواقف الأطراف الفلسطينية المختلفة وليس في مواقف إسرائيل المبدئية تجاه الأرض الفلسطينية.

وأضاف الرئيس بوش أنه «يعتقد، ويؤيده في ذلك أولمرت، أن مفاوضات الحل النهائي بين الإسرائيليين والفلسطينيين تخدم مصلحة الطرفين الإسرائيلي والفلسطيني وتخدم عملية السلام». وأشار أيضاً إلى أن أي تسوية يجب أن تستند إلى خطة خارطة الطريق للسلام في الشرق الأوسط والتي تم الاتفاق عليها عام 2002 - والتي تتحدث عن وجود دولتين ديمقراطيتين تعيشان جنباً إلى جنب.

ولكن ما فعله الرئيس بوش أثناء لقائه مع أولمرت في واقع الأمر، وليس باستخدام الشعارات اللفظية، يرتقي إلى حد اتفاق من البيت الأبيض على عدم الوقوف في وجه رسم الحدود بشكل أحادي الجانب من جانب إسرائيل. وأن أولمرت قدم ما يبدو أنه «تنازل ضخم» فيما يتعلق بإجراء محادثات مباشرة مع الرئيس الفلسطيني محمود عباس.

وطبعاً لم يحدد الرئيس بوش الآليات السياسية لدفع إسرائيل لبدء المفاوضات المباشرة مع الفلسطينيين «الذين يتحدثون عن السلام»، كما أنه لم يشرح طبيعة الدور الذي ستلعبه واشنطن «الراعية الوحيدة» للسلام من أجل التوصل إلى سلام متوازن طبقاً للقوانين والقرارات الدولية ذات الصلة بملف الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي.

والأهم من هذا وذاك أن الرئيس بوش ينسى حيناً ويتناسى أحياناً كثيرة أن مشروع شارون - أولمرت آحادي الجانب للسلام والذي تؤيده غالبية الإسرائليين بمن فيهم اليسار الإسرائيلي يهدف إلى تدمير أية فرصة للسلام الحقيقي لأنه يرتكز أساساً على قاعدة فرض الأمر الواقع الإسرائيلي على كافة الشعب الفلسطيني وليس فقط على «هؤلاء الذين لا يعملون من أجل السلام».

وهذا ما سيرفضه الشعب الفلسطيني بكل أطيافه وفصائله وسياسييه «البرغماتيين والمتشددين» لأن ذلك سيمنعهم من التأسيس لدولة فلسطينية قابلة للحياة على كامل الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967 وعاصمتها القدس الشريف.

في واقع الأمر لن ترضى عن الشعب الفلسطيني الإدارة الأميركية الحالية ولا الحكومة الإسرائيلية الحالية مهما قدمت السلطة الوطنية الفلسطينية والحكومة الفلسطينية بقيادة حماس من تنازلات سياسية تكتيكية أو استراتيجية كاعتراف حماس بإسرائيل على سبيل المثال لا الحصر.

وذلك لأن منظمة التحرير الفلسطينية والحكومات الفلسطينية السابقة والرئيس الشهيد ياسر عرفات قدموا من التنازلات الكبيرة والصغيرة لإسرائيل والتمسوا السلام والأمن والاستقرار لكل شعوب المنطقة وفشلوا في نهاية المطاف في إقناع إسرائيل والولايات المتحدة بضرورة وأساسية تطبيق القرارات الدولية المتعلقة بقضية فلسطين.

كما أن إسرائيل لم تتخل أبداً منذ بدء مفاوضات السلام في مدريد عام 1992 ومروراً باتفاقات أوسلو ووادي عربة وحتى يومنا هذا عن تمسكها بمقولة إنه لا يوجد شريك فلسطيني حقيقي يسعى من أجل السلام في المنطقة. بل تحولت غالبية الشعب الفلسطيني في نظر الإسرائيليين إلى «إرهابيين» لا يسعون إلا لتدميرها وهي الدولة الأقوى عسكرياً وأمنياً واقتصادياً ودبلوماسياً في منطقة الشرق الأوسط.

الحقيقة الواضحة لأي مراقب سياسي موضوعي تقول إنه لا يوجد حل سياسي مقبول في الأفق عند كل الأطراف المعنية لإنهاء الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي في ظل استمرار التعنت الإسرائيلي من جهة، وعدم جدية الأطراف الدولية وخاصة الطرف الأميركي في فرض حل عادل يرتكز على الشرعية الدولية من جهة أخرى.

وبناء عليه تتعاظم المسؤولية الأخلاقية والسياسية والتاريخية للسياسيين الفلسطينيين بكل أطيافهم وانتماءاتهم السياسية والإيديولوجية والمطالبين في هذا الوقت تحديداً بخلق مناخ ملائم يقود إلى توحيد الصف الفلسطيني وحسم الخلافات السياسية والاتفاق على برنامج وطني وسياسي موحد يعتمد المفاوضات السياسية المباشرة مع إسرائيل ولا يستثني المقاومة المشروعة ضد الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية لعام 1967.

إن وضوح الرؤية والبرامج والآليات والأهداف السياسية للمرحلة المقبلة غاية في الأهمية والابتعاد عن الاقتتال والأفخاخ السياسية عبر مشاريع مفاجئة والتفرد في القرارات أهم بكثير وأضمن للمصالح العليا للشعب الفلسطيني وقياداته وفصائله.

كاتب وباحث سياسي

isam997@hotmail.com