فجأة ووسط العتمة التي تلف المنطقة، لمع خيط تفاؤل جديد. خيط أمل بإمكانية العثور على مخرج مقبول، ينزع الفتيل من أحد أخطر ملفاتها المشبعة بالاحتقان والقابلية للتفجير: النووي الإيراني. صحيح انها ليست المرة الأولى التي يحال فيها هذا الموضوع إلى طاولة الحوار. كما ليس هناك ما يضمن تمخض الحوار عن تسوية ما، له.
لكن الصحيح أيضاً أن الحوار، بحد ذاته، يكاد يتحول إلى مطلب، إن لم نقل إلى غاية، في ظل المعطيات والتعقيدات والأخطار التي تعيشها وتواجهها المنطقة. حتى ولو كان لشراء الوقت، علّ الوقت يأتي بالفرج. فالمنطقة مخنوقة بالنزاعات والتوترات. واقفة على حافة الهاوية. انفجار جديد يدفعها إلى القاع المظلم والمجهول.
من هنا أهمية ما صدر أول أمس عن وزير الخارجية الإيراني، منوشهر متقي، في ماليزيا، أثناء حضوره لمؤتمر دول عدم الانحياز، وعن المتحدث الرسمي باسم وزارته، في طهران. كما إن ردود الفعل الأوروبية والأميركية، على كلام المسؤولين الإيرانيين، لا يقل أهمية عنه.
فالوزير أعرب عن رغبة بلاده و«استعدادها للدخول فوراً في محادثات مباشرة مع الترويكا الأوروبية، ومن دون شروط مسبقة» حول النووي. وأضاف إن إيران قد تفكر بالمحادثات المباشرة مع واشنطن «بعد أن تغير طريقة تصرفها».
كلام صريح حول العودة إلى طاولة الحوار مع الأوروبيين. وأهم ما فيه انه خالٍ من الشروط. كما انه حافل بالتلميح إلى موافقة إيرانية ولو مشروطة، على الحوار مع واشنطن.
الجديد فيه ان يعرض تخفيض عدد أجهزة الطرد المركزي، التي تستخدم للتخصيب. وكانت إيران قد رفعت هذا العدد إلى 164 جهازاً في الآونة الأخيرة. كما رفعت من سرعة دوران هذه الأجهزة. الأمر الذي أدى إلى وضع الملف على نار حامية، تجلت في تزايد الحديث عن الخيار العسكري الأميركي، وما رافقه من مخاوف وتحذيرات.
والمعروف أن طهران كانت قد أبلغت وكالة الطاقة بأنها تنوي رفع هذا العدد إلى 3 آلاف مع نهاية العام الجاري، على أن تواصل الزيادة لاحقاً إلى حدود الخمسين ألف جهاز طرد. فجأة هي تطرح خفض الـ 164 العاملة حالياً. الأوروبيون سارعوا إلى احتضان العرض والرجوع إلى الطاولة.
خافيير سولانا، الممثل الأعلى لشؤون السياسة الخارجية، للاتحاد الأوروبي، أبدى ترحيبه وارتياحه الكبيرين. «إذا سألتموني ان كان يسعدني أن يحدث ذلك فسأقول نعم». أيضاً المتحدث الرسمي باسم البيت الأبيض، طوني سنو، شارك سولانا في ارتياحه، قائلاً إن واشنطن «مسرورة» لرغبة إيران في استئناف الحوار مع الأوروبيين.
ومع الموقف الإيراني الجديد والردود الأوروبية والأميركية عليه تكتمل الصورة، التي تفيد بأن مصالح كل هذه الأطراف تقاطعت عند الرغبة في التحاور. مهدت لذلك تحركات وضغوطات فرضتها ظروف وأولويات معروفة. ففي واشنطن تزايدت مطالبة الإدارة بفتح حوار مباشر مع إيران.
ورطة العراق فتحث العيون على محاذير التصعيد. وتردد أن هناك داخل مطبخ القرار الأميركي قوى تدفع بهذا الاتجاه. الروس أيضاً قاموا بتحرك ملحوظ تجاه تنفيس التوتر وإعادة الملف إلى دائرة التسوية السلمية خارج الأمن. والآن ثمة فرصة، بعد التوافق على العودة إلى الحوار.
حتى ولو كان كل ذلك من باب المناورة. علماً أن لعبة العض على الأصابع ربما تكون قد بلغت مداها. وإذا كان الأمر كذلك، فلا يجوز ترك اللحظة السانحة تمر من دون العمل على طي هذا الموضوع الخطير.