أخيراً يبدو أن قيادة الحزب الحاكم في تركيا قد توصلت إلى قناعة نهائية بأن السماح للدولة التركية بدخول عضوية الاتحاد الأوروبي بات رابع المستحيلات فقررت بالتالي إحياء وشائجها مع العالم الإسلامي.. فهل يعني ذلك تفكيك النظام العلماني في الداخل؟
لمدى عقود زمنية ومنذ عهد «السوق الأوروبية المشتركة» ـ النظام الجماعي الذي مهد لقيام «الاتحاد الأوروبي» ـ ظلت الدول الأوروبية تماطل في التجاوب مع طلب تركيا الانضمام إلى الأسرة الأوروبية بمختلف المعاذير.
لكن خلال السنوات القلائل الأخيرة ثبت أن السبب الحقيقي للرفض الأوروبي هو الهوية الإسلامية لشعب يربو عدده على السبعين مليون مسلم بعد أن انكشفت تماماً الهوية الجماعية للاتحاد الأوروبي كتكتل مسيحي.
للاتحاد الأوروبي شروط عضوية يطلق عليها «معايير كوبنهاجن». وبموجب هذه الشروط فان المطلوب من الدولة الراغبة في العضوية أن تكون ملتزمة بنظام ديمقراطي تعددي وأن تتبنى مبدأ «اقتصاد السوق».
وبعد أن طبقت تركيا كافة الشروط دون أن تلقى المكافأة المعهودة فإن ردة الفعل التركية الأولى تمثلت في تفجر تذمر شعبي ذي طابع إسلامي مما مهد لحزب «العدالة والتنمية» ذي التوجه الإسلامي لاكتساح الانتخابات العامة بأغلبية ساحقة تربو على ثلثي عدد المقاعد البرلمانية.
الآن يتشكل صراع أيديولوجي بين توجه إسلامي يقوده رجب طيب أردوغان رئيس حزب العدالة والتنمية الحاكم، وبين سدّنة النظام العلماني الأتاتوركي بزعامة جنرالات المؤسسة العسكرية، ومعهم رئيس الجمهورية أحمد نجدت سيزار.
في سياق هذا الصراع السلطوي أصبح أردوغان يتبنى مشروعين: أسلمة المستويات العليا لجهاز الدولة البيروقراطي.. وأسلمة توجهات السياسة الخارجية.
على صعيد المشروع الأول، اتخذت حكومة أردوغان سلسلة من التدابير العملية أحدثها إسناد منصب محافظ البنك المركزي إلى خبير في الاقتصاد الإسلامي.
ويبدو أن المضي في تطبيق هذا المشروع يتخذ إيقاعاً متسارعاً، الأمر الذي حدا بالرئيس سيزار الى أن حذر من أن «التهديد الأصولي بلغ حداً مقلقاً»®. وقال إن الكوادر الإسلامية تتغلغل في جهاز الدولة «وتعمل بطريقة منهجية على تفتيت القيم الجمهورية الأساسية».
وفي هذه الأثناء تقوم حكومة أردوغان أيضاً بتطبيق برنامج للسماح لخريجي المدارس الإسلامية بدخول الجامعات ـ الأمر الذي كان محظوراً على أساس مبادئ النظام العلماني.
أما على الصعيد الخارجي، فإن حكومة أردوغان أغضبت الولايات المتحدة وإسرائيل بدعوة أحد قيادات حركة «حماس» الفلسطينية ـ خالد مشعل ـ لزيارة تركيا رسمياً.
وفاجأ اردوغان قادة الحزب بزيارة إلى الخرطوم للمشاركة في اجتماع القمة العربية كمراقب، وانتهز فرصة وجوده في الخرطوم وأدلى بتصريحات برفض الاتهامات الأميركية للنظام الحاكم في السودان بأنه يمارس إبادة جماعية في دارفور.
وهكذا قد يأتي يوم تندم فيه دول الاتحاد الأوروبي على إغلاق باب الاتحاد في وجه تركيا.
فالواضح الآن هو أنه كلما تباعدت أوروبا عن تركيا كلما تقاربت تركيا مع العالم الإسلامي تعبيرا عن انتمائها التاريخي الأصلي.
أحمد عمرابي