اختلفت الآراء هل حبا في حماس أم عقابا لفتح، فازت الأولى بأغلبية 56% في الانتخابات التشريعية الفلسطينية بداية هذا العام. أطلق على هذا الحدث «تسونامي» الذي هز العرب والعالم بعد أن هز حماس نفسها والتي لم تتوقع وتتهيأ لهذا الفوز.

لقد جاءت إلى الحكم وبيدها فقط برنامج إزالة إسرائيل لتجد أمامها التزامات السلطة الفلسطينية بحل النزاع الفلسطيني الإسرائيلي بالوسائل السلمية على طريق التعايش والاعتراف المتبادل للدولتين، والرعاية الدولية الرباعية من قبل الأمم المتحدة، أميركا، الاتحاد الأوربي وروسيا لهذا التوجه.

ودخلت حماس فجأة في مخاض عسير يمثل المرحلة الانتقالية من حزب الثورة إلى حزب السلطة بكل ما تحمله من تناقضات. وجدت حماس نفسها أمام مهام جديدة تماما:

الحصول على الاعتراف العالمي بحكومتها، الحفاظ على الأمن والقانون في قطاع غزة والضفة الغربية وإنعاش الوضع الاقتصادي في الأراضي الفلسطينية. وواضح أن مهام البناء هذه لم تكن مما عرف عن طبيعة حماس.

منذ بداية فبراير فتح بوتين لحماس بوابة على العالم بدعوتها لزيارة موسكو. ومع وصول خالد مشعل والوفد المرافق مطار شيريميتوفو صباح 3 مارس توفرت إمكانية العبور للعالمية.

فبرغم امتعاض وحتى تهديد أميركا وإسرائيل في البدء، إلا أن أوروبا (ممثلة بفرنسا) والصين والهند واليابان تبعت موسكو في مخاطبة حماس. غير أن حماس اعتبرت أن اللقاءات وحدها تشكل نجاحا على الصعيد الدولي دون السعي لتحقيق نتائج جوهرية تعكس اقترابها من التزامات السلطة الفلسطينية.

أدت حكومة إسماعيل هنية القسم في 29 مارس قبل أن تعرف ماذا ستفعل. وبعد عدة أيام أطلق وزير خارجيتها محمود الزهار تصريحات متضاربة تماما كأن لا مكان لإسرائيل على وجه الأرض، وأن حكومته ليست ضد وجود دولتين يهودية وعربية، لكنها غير مستعدة للتفاوض مع إسرائيل التي لا تريد السلام.

وفي 5 ابريل بدأ مجلس الوزراء الجديد بمناقشة الوضع الاقتصادي المتخبط بين خزينة خاوية وديون متراكمة وانحباس تدفقات المساعدات وأفواه فاغرة.

ودرس الاجتماع خطة طوارئ للخروج بالاقتصاد من أزمته. كما درس رسالة الزهار إلى أمين عام للأمم المتحدة التي تتضمن أمل الفلسطينيين في أن يعيشوا بسلام وحرية واستقلال إلى جانب «الجيران فوق الأرض المقدسة». تاركا لرياض منصور ممثل الحكومة إيضاح أن العبارة تتضمن إسرائيل.

والنتيجة أن عدم وضوح وحسم الموقف السياسي بدد جهود موسكو لمساعدة حماس دوليا، كما أضعف بعض فرص روسيا للعودة إلى الشرق الأوسط كدولة عظمى. وبالتالي بقي الوضع الاقتصادي الفلسطيني والأحوال المعيشية تزداد سوءا.

ذلك أن الاعتماد على المساعدات الخارجية يعني الأجنبية بالدرجة الأولى، إذ لم تحقق أية مبادرات رسمية عربية أو نداءات إسلامية شيئا يذكر بالنسبة للفلسطينيين في ظل سطوة آليات التحويلات المصرفية العالمية المحكمة بقبضة أميركية. وبهذا فشلت الحكومة الفلسطينية في كل من المهمتين اللتين ركزت عليهما في اجتماعها الأول.

والآن، يبدو الوضع وكأنه على أنقاض حكومة نخرها الفساد فأسقطها الشعب قامت حكومة بلا برنامج عملي. ولزيادة الطين بلة وصفت وزيرة الخارجية الإسرائيلية الرئيس عباس بأنه ورقة توت بالنسبة لحماس، بينما دعاه رئيس الوزراء أولمرت إلى إزاحة حكومة حماس قبل أي تفاوض.

في حين هذه الأخيرة دعت إلى الخروج من عزلتها بقيام حكومة وحدة وطنية بشروط لم يقبلها الآخرون. وهكذا نشأ وضع ازدواجية سلطة حماسية - فتحوية انعكس على كافة مجالات الحياة، وخصوصا الأمني الداخلي الذي يكاد يهدد بصدام مسلح ينذر بحرب أهلية لا سمح الله.

هذا القلق دفع الأسرى الفلسطينيين في السجون الإسرائيلية بمن فيهم قادة حماسيون كالشيخ عبد الخالق النتشة إلى توجيه رسالة - وثيقة لتكون أساسا لاستئناف الحوار الوطني تدعو فيها حماس عمليا إلى تغيير موقفها من إسرائيل والمنظمة.

والقبول بدولة فلسطينية مستقلة في حدود الرابع من حزيران 1967 وعاصمتها القدس، مما سيربك حسابات أولمرت، تحت حجة أنه لا يوجد شريك فلسطيني، بترسيم الحدود من جانب واحد وبتجميع 70 ألف مستوطن في مجمعات استيطانية كبيرة في الضفة الغربية ستضم إلى إسرائيل.

كما تدعو الوثيقة إلى التمسك بمضمون القرار الدولي 194 حول حق اللاجئين في العودة إلى أراضيهم وممتلكاتهم ومعالجة العلاقة بين مؤسستي الرئاسة والحكومة وتوحيد الخطاب السياسي الفلسطيني وتشكيل حكومة ائتلاف وطني من جميع الأطياف السياسية الفلسطينية.

ومهما قيل عن استغلال رئيس السلطة للوثيقة لتقوية مواقعه، إذ حشر حماس في مهلة عشرة أيام لحسم الموقف قبل أن يجري استفتاء شعبيا عليها، إلا أن كثيرين يرون أنها تمثل ضمير الشعب الفلسطيني.

ومضمون هذه الوثيقة هو ما تنادي به القوى التقدمية الفلسطينية والإسرائيلية على السواء. وسيكون 3 يوينو المقبل موعدا لتظاهرات جماهيرية حاشدة في كل من رام الله وتل أبيب بمناسبة الذكرى 39 لعدوان يونيو تحت شعار «يوجد شريك فلسطيني - يسقط الاحتلال« باشتراك القوى الفلسطينية التقدمية ومنظمات السلام الإسرائيلية كحركة تعايش وائتلاف النساء من أجل السلام ومنظمة تحرريون ضد الجدار وحركة شجرة الزيتون.

كما دعت الجبهات الشعبية والديمقراطية والنضال الشعبي، حزب الشعب، المبادرة الوطنية والاتحاد الديمقراطي الفلسطينية إلى إنجاح الحوار الوطني الفلسطيني والتمسك ببرنامج الإجماع الوطني وشرعية ووحدانية تمثيل المنظمة للشعب الفلسطيني وتطويرها وتفعيلها على أساس اتفاق القاهرة والدعوة إلى مؤتمر دولي بمرجعية الأمم المتحدة لتنفيذ قرارات الشرعية الدولية التي تضمن حقوق الشعب الفلسطيني وإنهاء الاحتلال.

وتوسيع المشاركة الشعبية للخروج من ثنائية فتح - حماس التي أدت إلى تحويل الصراع من صراع وطني تحرري ديمقراطي إلى صراع فئوي على السلطة وعلى حساب الشعب.

ترى هل ستؤدي كل هذه الظروف والدعوات بحركتي فتح وحماس للنزول «من على بغلة الذات» - حسب شاعرنا البحريني عبد الصمد الليث - والارتفاع إلى مستوى الهم والطموحات الوطنية الفلسطينية؟ هل ستعلم هذه التطورات حماس لتتطور، فنقرؤها: حركة متحولة إلى الاعتدال السياسي (حماس)؟

كاتب بحريني