القصف الاسرائيلي الذي استهدف مواقع لحزب الله والجبهة الشعبية ـ القيادة العامة- في جنوب لبنان جاء بعد أن نخزت عصا الأمين العام لهذا الفصيل الفلسطيني أحمد جبريل عش الدبابير الصهيوني حين تضمنت آخر تصريحات خبير المتفجرات والألغام دعوة صريحة لا لبس فيها لمشاركة جميع مكونات الشعب الفلسطيني في الداخل .
والشتات على حد سواء في الاستفتاء الوطني المحتمل حول مضمون وثيقة الحركة الفلسطينية الأسيرة في سجون الاحتلال الإسرائيلي المتعلقة بإيجاد مخرج من الأزمة الطاحنة التي تعصف بالوضع الفلسطيني الداخلي.
فلا شيء أشد وقعا وإيلاما على الدولة العبرية من التذكير بتلك القوة الكامنة في الشعب الفلسطيني والتي يقدر تعداد أفرادها بأكثر من ثلثي مجموع هذا الشعب، الذي طالت معاناته.
رغم ما يتردد في أعقاب الغارة الإسرائيلية من أقوال وتصريحات رسمية وغير رسمية حول أن الهدف من وراء هذه الغارة يكمن في رغبة اسرائيلية جامحة باتجاه تسخين جبهة الجنوب اللبناني وإظهار السلاح الفلسطيني خارج المخيمات اللبنانية على أنه يمثل أحد الأسباب الرئيسة لتصاعد الخلافات اللبنانية- اللبنانية.
وذلك دفعاً باتجاه طرح هذا السلاح على طاولة الحوار اللبناني على أساس أنه يشكل أولوية الأولويات وصولا إلى إحداث اختراق جديد في الصف الوطني اللبناني ـ الفلسطيني ـ السوري ونزع سلاح المقاومة الفلسطينية في لبنان كخطوة لا بد من حدوثها لتمهيد الطريق أمام حرية الحديث والتصرف واستباحة سلاح حزب الله بعد أن نجحت القوى الطائفية اللبنانية وإسرائيل .
وبعض الجهات الدولية وفي مقدمتها فرنسا والولايات المتحدة في إخراج القوات السورية من لبنان.. رغم هذا الحديث ومنطقه السليم ، إلا أن ما ترمي إليه إسرائيل من وراء هذه الخطوة التصعيدية الخطيرة لا يتوقف عند الحدود آنفة الذكر.
ذلك أن دعوة السيد جبريل التي خص فيها فلسطينيي الشتات قد وضعت الاصبع الصحيح على الجرح الحقيقي الذي تعاني منه القضية الفلسطينية منذ حوالي ستة عقود من الزمن والمتمثل في المحاولات الدؤوبة لإسرائيل ومن يشد على يدها في المنطقة والعالم الهادفة إلى عزل الكتلة اللاجئة من الشعب الفلسطيني عن شقيقاتها في الضفة والقطاع ومناطق الـ 48 .
وذلك إمعانا في محاولات تطبيق شعار الصهيونية الأول الذي ادعت فيه أن فلسطين بلد بلا شعب لشعب بلا أرض .. شعار يمثل بلا أدنى شك جوهر القضية الفلسطينية ومبتغاها.
ويذكر القاصي والداني بما لم تتوقف مؤسسات البحث العلمي في إسرائيل عن تذكير قياداتها السياسية به على مر العصور، وهو ضرورة حل قضية اللاجئين الفلسطينيين قبل أي شيء آخر ، لأن أي حل يحاول تخطي هذه القضية البسيطة العويصة في آن سوف يواجه فشلا ذريعا بكل تأكيد.
على هذا الطريق الطويل والشاق كان لا بد ، من زاوية مصلحة المشروع الصهيوني في المنطقة طبعا، منح جنسية إحدى الدول العربية لثلاثة ملايين لاجئ فلسطيني والجنسية الإسرائيلية لأكثر من مليون فلسطيني متجذر داخل ما يعرف بالخط الأخضر .
وفتح باب الهجرة إلى دول عربية وغربية لمن يتوهم أنه راغب بالهجرة مجددا من بين سكان المخيمات الفلسطينية المنتشرة في دول الطوق، فضلا عن الكثير من الممارسات القمعية التي يواجهونها في الداخل والخارج ، لكن رغم كل هذه الجهود وجبروتها، إلا أنها لم تتمكن من طمس الهوية الفلسطينية لأولئك الفلسطينيين.
دعوة جبريل لمشاركة فلسطينيي الشتات في الشأن الوطني الفلسطيني لا تشبه باقي الدعوات بشيء أو على الأقل يجب أن تكون كذلك، فهذه هي المرة الأولى التي نشهد فيها أمرا من هذا القبيل رغم أن الشتات الفلسطيني هو الذي انطلق بالثورة الفلسطينية المعاصرة واحتضنها على مدار عقود وقدم لها الغالي والرخيص على طريق تحرير الأرض والإنسان ،.
كما أن هذه الدعوة التاريخية قد تشكل، بل لا بد لها أن تشكل منطلقا وأساسا لتوجه وطني شامل على صعيد القضية الوطنية الفلسطينية، على طريقة أن الصعاب تذلل بالوطن وللوطن.
يبقى القول إن العبرة لا تؤخذ إلا من فوهات مدافع الأعداء.