خمسة أشهر كاملة من المفاوضات والمداولات والحوارات بين الكتل والمجموعات والأحزاب السياسية كان لابد من أن تنقضي قبل أن تطل إلى النور حكومة نوري المالكي العتيدة في العراق.

المهمة الأولى للحكومة كانت الوصول إلى من يعهد إليه بتولي حقيبة الدفاع ومن يتحمل عبء وزارة الداخلية، حيث استعصى الوصول إلى الجهات التي ستظفر بالحقيبتين قبل إعلان الحكومة، فتولاها ـ مؤقتاً ـ رئيس الوزراء وأحد نوابه، إلى أن يحسم الجدل بشأنهما نهائياً.

من المحقق أن هذا يعطي مؤشراً واضحاً إلى صعوبة الوصول إلى الإجماع الوطني على أرض الرافدين، الأمر الذي يجعل جهود جامعة الدول العربية المرتقبة في إطار مؤتمرها المقترح تبدو شيئاً بعيداً عن الوعد بنقطة ضوء في نهاية النفق، لكن ذلك هو على وجه الدقة أحد الأبعاد التي تصب في الضرورة القصوى .

والطابع العاجل الذي ينبغي أن تطرح به استراتيجية تحرك لدور عربي في العراق، وهو بعد يضاف إلى أبعاد أخرى عديدة تجعل مسألة المطالبة بهذه الاستراتيجية شيئاً بالغ الحساسية والصعوبة والتعقيد.

ويمكننا أن نطرح أبرز هذه الأبعاد فيما يلي:

أولاً: ان كل المؤشرات ـ حتى الآن ـ تؤكد أن صناع القرار في عواصم دول الائتلاف التي تلقي بظلالها على أرض العراق لا يتجهون بصورة جدية إلى التعامل مع خيار الانسحاب من العراق، ومن هنا فإن الرئيس الأميركي جورج بوش ورئيس الوزراء البريطاني توني بلير لم يتضمن حديثهما عن الأخطاء التي ارتكبت في العراق إشارة ولو من بعيد إلى العلاج المنطقي لهذه الأخطاء، وهو سحب قوات الاحتلال من أراضيه.

ثانياً: إن صناع القرار في العديد من العواصم العربية يميلون إلى التعامل مع الموقف في العراق من خلال قنوات تعكس غياب نظام إقليمي عربي فاعل، وهكذا تحل الكلمات الكبيرة مكان المواقف، وتتدخل الدبلوماسية لإهدار الوقت بدلاً من الحركة المؤثرة لكسبه.

ثالثاً: في العراق نفسه، لا مجال لإنكار أن دكتاتورية كابوسية جثمت على صدور الناس ما يزيد على ثلث القرن، جرت خلالها تغذية الاعتماد على السلطة، وأصبح الفكر المستقل شيئاً لا وجود له، وبالتالي فإن تغيير الذهنية السائدة سيحتاج إلى سنوات طويلة، وهي ذهنية تتشكك في كل شيء، بما في ذلك أي دور عربي مقترح في العراق.

رابعاً: طوال ثلث القرن الماضي جرى التلاعب بالعناصر العلمانية والعرقية والقبلية والعزف على الخلافات المتعلقة بها في العراق لإحكام السيطرة السياسية، وولدت على هذا الأساس آليات مكافأة المؤيدين ومعاقبة المعارضين، وهكذا فإن الأفق العراقي يوحي بأن هذا هو ما سيمتد تحته لسنوات بل لعقود طويلة مقبلة. وبالتالي فإن تغيير عراق تلك آفاقه لابد أن يكون شيئاً بعيد المدى.

خامساً: توحي كل المؤشرات بأن عناصر الجذب والشد من داخل العراق وخارجه لن تكون شيئاً قصير العمر، بل ان هناك من المحللين من يرى أن حركة هذه العناصر ستستمر أياً كان الإطار الذي سيندرج فيه مستقبل العراق.

تلك كلها عناصر تصب في عرقلة الحد الأدنى من استراتيجية تحرك عربية فاعلة في العراق، لكنها هي نفسها التي تجعل من وضع هذه الاستراتيجية ومن تنفيذها أمراً بالغ الأهمية، الأكثر من ذلك ان هذه الاستراتيجية العربية لن تتحرك في فراغ، بل إنها عندما تطل تحت آفاق العراق، ستجد أن هناك من بلور تصوراته بوضوح.

وشرع ينفذها على الأرض ليحسم رهان العراق ومستقبله على نحو يكفل دعم مصالح تلك العواصم النائية التي تبلورت فيها التصورات الغربية ووضعت في خدمتها الإمكانيات كافة.

من هنا يأتي التأكيد على أنه لا مجال للمزيد من تأجيل استراتيجية تحرك عربي في العراق، ولا معنى للاعتذار بغياب عناصر التأثير في ظل الوضعية الراهنة للنظام الإقليمي العربي، ولا مبرر للحديث عن كسب الوقت فيما الخسارة العربية مطلقة بكل المعايير.

ولكن كيف السبيل إلى تحديد مقومات استراتيجية التحرك العربي هذه؟ ما هي مقوماتها؟ ما هي العناصر التي يمكن حشدها في إطارها؟ ما هي الفرص المتاحة أمامها للنجاح والتأثير؟

دعنا نشدّد أولاً على أنه لا مجال للحديث عن أي وجود عربي فاعل على أرض العراق في إطار السقف الراهن هناك، فالوجود العربي ـ أياً كان شكله ـ يجب أن يكون جزءاً من آلية انسحاب قوات الائتلاف وخروجها إلى الأبد من العراق.

هكذا فإن محاولة الاستدراج التي تتحدث عن مشاركة لقوات عربية في منطقة خضراء هنا أو هناك في العراق ينبغي أن تكون مرفوضة تماماً، والوجود العربي في العراق ليس مطروحاً على الإطلاق لا كجزء من الائتلاف ولا كبديل له، وإنما هو مطروح في إطار تصوّر عربي شامل ـ وبمشاركة عراقية كاملة ـ لآلية استعادة العراق لسيادته وحريته.

وعلى القدر نفسه من الأهمية، يأتي الدور العربي في مساعدة العراق على الوقوف على قدميه مجدداً، لكن هذه المساعدة ينبغي أن تكون موجهة للعراق الواحد، للعراق الذي يسعى لدعم وحدته الوطنية، وتوجيهها نحو مساعدة هذه الطائفة أو تلك المجموعة أو ذلك الائتلاف هو أمر بالغ الخطورة.

لم يتردّد العديد من الباحثين الأميركيين بصفة خاصة في التأكيد على ضرورة التعامل مع الطوائف والفرق والجماعات، ليس في العراق فحسب، وإنما في الوطن العربي كله، وذهبوا إلى الزعم بأن هذا أمر واقع ولا بد من تكريسه.

استراتيجية التحرك العربي ينبغي أن تتعامل مع دولة العراق وليس مع «الدول» المقترح نحتها في كيان العراق، مع العراق كما يريده العراقيون وليس مع العراق كما تريد الدول والمجتمعات الصناعية وشركات النفط الغربية الكبرى أن تستفرد بجزئياته لتحاصرها ومن ثم تبتلعها.

هنا على وجه الدقة، يبرز قطاع النفط العراقي، وقد رفع الكثير من الباحثين أصواتهم محذرين من عناصر الموت العديدة في هذا القطاع، والتي لا تشمل التنقيب فحسب، وإنما تمتد إلى الإنتاج والتخزين والتوزيع والتصدير.

ومن المحقق أن الدول العربية قادرة على تقديم أشكال شتى من العون والمساعدة والدعم لقطاع النفط العراقي، لكن ذلك لا ينبغي بحال أن يكون في ظل الاحتلال ولا كجزء من آليات عمله.

ولا تحت سقف واقع تجزئة العراق إلى دويلات وكيانات متناثرة، من هنا على وجه الدقة، يأتي الرفض العربي للمقترحات الأميركية بأن يكون مساعدة العرب لقطاع النفط العراقي على أسس جغرافية مستندة إلى الطوائف والملل والنِحَل والأعراق. فتنمية هذا القطاع ينبغي أن تكون على أساس وطني شامل ولمصلحة العراقيين جميعاً وبعيداً عن أي سيطرة أو هيمنة أجنبية.

ومن المحقق أن استراتيجية التحرك العربي في العراق ستفتقر إلى الكثير من الواقعية والقدرة على التأثير إذا لم تأخذ في الاعتبار تشابكات النور والظل المعقدة بين الداخل والخارج في العراق، هذا الجزء من الاستراتيجية العربية المقترحة ينبغي أن يكون الأكثر مرونة.

وقدرة على التفاعل والاستناد إلى كل عناصر الحركة والتأثير المتاحة، فهناك قنوات لا حصر لها لم يتم ارتيادها في ما يتعلق بالحوار بين العواصم العربية وأنقرة، على سبيل المثال، ومن المحقق أن الحركة العربية في هذا الشأن قادرة على ارتياد آفاق لم تطرقها الدبلوماسية العربية من قبل.

أخيراً، فإنه لا بد من التأكيد على أنه إذا لم توجد استراتيجية عربية للتعامل مع قوى ومؤسسات الدولة العراقية، فإن ذلك سيوجد فراغاً يتيح للعديد من العواصم البعيدة عن عالمنا العربي التحرك عبره تأثيراً في العراق، ليس اليوم فحسب، وإنما في الغد البعيد كذلك.

والسؤال الجوهري هو: في خدمة من تعمل هذه القوى والمؤسسات؟ ذلك أن الإجابة عن هذا السؤال هي التي تحكم آفاق التعامل العربي معها بالكامل، وربما تحكم استراتيجية التحرك العربي في العراق بأسره.

* رئيس قسم الترجمة ـ «البيان»

kamel@albayan.ae