في عصرنا الحالي أصبحت الفضائيات الوسيلة الأكثر سرعة والأكثر انتشاراً وأصبح للكلمة العربية صوت مسموع من خلال فضائياتنا العربية، حتى وإن كان هذا الصوت مازال مقيداً في عالم لا يعترف إلا بالأقوال التي أصبحت أكثر من الأفعال، لكن على الأقل أصبح للمشاهد العربي حرية الاختيار ما بين برامج وحوارات هادفة وجادة تفرض نفسها عليه، وبرامج سطحية وتافهة تُفرض عليه.

قبل أسابيع تابعت في إحدى الفضائيات العربية برنامجاً عن الإعلام العربي في فترة الستينات، ودوره في التضليل والخداع الذي كان يمارس حينها في العالم العربي، وركز مقدم البرنامج على دور التلفزيون بصفة خاصة والذي كما قال كان مقتصراً على المدح والثناء للحكام والنظام.

وكأن مقدم البرنامج يريد إقناع المشاهدين بأن الوضع قد تغير وأن فضائياتنا العربية وما أكثرها أصبحت بعيدة كل البعد عن التضليل والنفاق، وإن كنت لا أريد أن أختلف معه حول ما كان يحصل في تلك الفترة، لكن مع الأسف في عصرنا الحالي فإن عشرات الفضائيات العربية، اقتصرت رسالتها على الرقص والغناء والابتذال وتبادل الرسائل البذيئة.

وبدل أن توظف التكنولوجيا المتطورة لتنمية عقول المشاهدين والارتقاء بهم، وظفتها لتضليلهم أكثر مما مضى، فإذا كان للتلفزيونات العربية سلبيات في الماضي رغم قلة عددها فهي في الحاضر أسوأ حالاً رغم كثرة عددها، حيث أصبحت سلبياتها تبث فضائياً للعالم أجمع.

وإذا كان دورها هو ذكر محاسن حكوماتها والثناء عليها فحالياً هي أكثر مدحاً ونفاقاً لكن بأسلوب أكثر ذكاءً لإلهاء المشاهدين عن المشاكل الداخلية، ففيما مضى كانت إمكانيات الانتشار محدودة وكل تلفزيون يجتهد في المدح داخل حدود وطنه، «ولا من شاف ولا من دري»، أما الآن فبفضل التكنولوجيا المتطورة أصبح باستطاعة الفضائيات الدخول إلى كل بيت دون استئذان بل إلى كل قرية حتى .

وإن كان أغلب سكانها أميين يحتاجون أكثر إلى برامج تعليمية تنور عقولهم، وتحفزهم على الارتقاء بمستواهم، وتجعلهم يشعرون بإنسانيتهم ومعرفة حقوقهم، لكنهم ليسوا أسوأ من تستهدفه بعض الفضائيات، فهناك أنواع مختلفة حسب متطلبات الأوضاع.

وهناك فضائيات استهدافها أعمق، فهي إما تتبنى قضايا وسياسات لصالح دول كبرى تحاول من خلالها تضليل الرأي العام العربي بأمييه ومثقفيه لصالح تلك الدول، وإما تجد في مشاكل دولة عربية أخرى مادة دسمة فتأتي بضيوف أكثرهم ممن يعيشون خارج أوطانهم لمناقشتها، وكأنه لا توجد في الدول التي تمول مثل هذه الفضائيات مشاكل تستحق الطرح والمناقشة.

فما الذي تغير يا ترى؟ فإذا كانت التلفزيونات في الماضي تطبل لسياسات أنظمتها فعلى الأقل لم تقصر في بث روح الإرادة والعزيمة في نفوس جيل ذلك الزمن، وبقيت هذه الروح الوطنية العروبية ترافقهم حتى عصرنا هذا.

ان مقدم البرنامج نسي أو تناسى ان يذكر ان أغلب الفضائيات العربية لا تقدم إلا الرخيص وتجتهد في تقليد بعضها، كما تتباهى بتقليد البرامج الأوروبية والأميركية وكأنها معيار للجودة، وهذا عكس ما يحصل في الدول الغربية التي لا تتهاون في طرح قضايا تخدم مواطنيها وتناقش مشاكلهم حتى وان كانت بسيطة وتنتقد حكوماتها حتى وان جاءت باختيار شعبي.

فقناة الـ BBC مثلاً ممولة من الحكومة إلا أنها أكثر انتقاداً لسياسة حكومتها وليست مزماراً للتطبيل لها والدفاع عنها، وفي حال تقديمها برنامجا عن دول أخرى فإنها تكون أكثر حيادية وموضوعية، وهذه هي رسالة الإعلام بشكل عام.

ولاشك ان هناك برامج في بعض الفضائيات العربية تطرح أفكاراً ورؤى لرفع مستوى فكر المواطن العربي، لكنها قليلة جداً، ومع ذلك فقد اجتهد مقدموها وتميزوا ونجحوا وسط زحمة فضائيات لا تقدم شيئاً يفيد المواطن العربي أو يخدم قضاياه اللهم إلا بث روح الهزيمة والتشاؤم في نفسه، لأنها ان فعلت غير ذلك تكون قد خرجت عن طاعة سيدها.

sultan654@hotmail.com