دخول إسرائيل العدواني على خط الوضع اللبناني المأزوم كان متوقعاً حصوله فقط مسألة وقت واقتناص الفرصة المؤاتية، فالبلد يمرّ في ظروف دقيقة معروفة.

وتعقيدات ساحقة باتت شديدة الاشتعال، وعواملها الكثيرة في حالة شبه غليان، ومفاصلها الرخوة مكشوفة، أكثر فأكثر، ولذلك فهي تشكل أرضية خصبة لإسرائيل، كي تمارس لعبتها المفضلة في تأجيج التناقضات فوق هذه الساحة، وهو كار تتقنه جيداً بأساليبها الاستخباراتية وباعتداءاتها المفضوحة.

وفي الأيام الأخيرة أخذ جنوب لبنان جرعة من هذا التأجيج، جرعة تؤشر بالنوع والكم، إلى احتمالات تصعيد إسرائيلي كبير على هذه الجبهة، والبداية كانت بعملية اغتيال مفخخ لقيادي سياسي في حركة «الجهاد الإسلامي» الفلسطينية بمدينة صيدا.

وقد كانت كافية لإشعال فتيل الرد الذي تذرعت به تل أبيب للقيام بعدوان جوي واسع غير مسبوق بحجمه منذ سنوات على المناطق الجنوبية اللبنانية، وهو افتعال محسوب أرادت منه إسرائيل صب الزيت على نار الحساسيات المعروفة في لبنان.

التوقيت واختيار اللحظة والهدف ينطق بذلك، فقد جاء عدوانها في وقت يحتدم فيه السجال غير الخالي من التوتر حول السلاح الفلسطيني في لبنان، خارج المخيمات.

كما جاء عشية انعقاد الجلسة التالية لمؤتمر الحوار اللبناني والمقرر أن ينظر خلالها في موضوع سلاح المقاومة اللبنانية ـ حزب الله ـ، الذي استهدفه العدوان وكان طرفاً في المواجهة، كذلك يأتي هذا العدوان في لحظة احتدام الصراع الفلسطيني الداخلي والذي انعكس على نحو ما على الأطراف والقوى الفلسطينية في لبنان وعلاقاتها مع سائر الأطراف اللبنانية.

الحصيلة أن هذا العدوان المفتعل وغير المجهولة مراميه، ترك ارتجاجاته على الساحة اللبنانية السريعة العطب، والغمز والتلميح بل التراشق توالى قبل أن تنتهي الطلعات الجوية الإسرائيلية ضد العديد من المواقع اللبنانية والفلسطينية.

إذا كان هذا التطور العدواني، معروفة أغراضه وهي ليست مفاجئة أو مستغربة في أية حال؛ وإذا كان التصدي العسكري بالإمكانات الندية متعذراً؛ نظراً للتفوق النوعي الحربي الإسرائيلي، وخاصة الجوي منه؛ فإنه لا عذر لاستخدام الإمكانات المتاحة لقطع الطريق على مثل هذا الشلل العدواني.

وفي أسوأ الحالات لتقليل خسائره والحد من تداعياته، فليس سراً أن اختراقاً كهذا للساحة اللبنانية ما كان له أن يحقق أغراضه لولا الفجوات الكثيرة في جدار العلاقات اللبنانية ـ اللبنانية؛ ناهيك بالعلاقات اللبنانية ـ في جزء منها ـ الفلسطينية، واللبنانية السورية. سد هذه الفجوات، يسد المدخل أمام التلاعب الإسرائيلي واللعب على التناقضات المحلية.

السوابق تقول ان عدوان الأمس مرشح للتصعيد والتكرار؛ من باب المراهنة على إشعال نيران الحروب الأهلية في المنطقة، وبالتحديد في البؤر المختزنة لقابلية الوقوع في هذا الفخ القاتل، والذي تبدو أكثر من ساحة عربية منجرفة أو مهددة بالانجراف نحوه.

العدوان من طبيعة إسرائيل، وهي تقرر ساحته وتوقيته، لكنها تبقى غير قادرة على تقرير فعاليته إذا كانت الساحة المستهدفة محصنة بمناعة داخلية كافية. وهذه هي المهمة الجوهرية المطلوب انجازها الآن في لبنان.