لقد فسر العرب هزيمتهم العسكرية أمام أوروبا في القرن الثامن عشر على إنها ليست هزيمة حضارية اي انها لم تكن بسبب قصور حضاري في الجانب النظري للحضارة العربية الإسلامية من حيث القيم والمثل وشؤون الحياة بل بسبب ان الحضارة الغربية أخذت بالعلم مطبقا في مجالات الصناعة بينما أخذت الحضارة العربية تراوح بين النواحي النظرية .

ولعل الدليل على ذلك هو ارتباط مفهوم العلم في هذه الثقافة بالدين فكان لقب العالم يطلق على الشخص المجتهد في شؤون الدين وبالتالي ظل العلم محصورا في المعرفة الدينية وفقه اللغة اما العلم بمعناه المبني على الفرضية والتجربة والنتيجة فبقي موضوعا لقلة من الأشخاص المجتهدين المعروفين بأسمائهم في التاريخ العربي الا ان ممارسات هؤلاء لم تحدث اى تعديل او تأثير في بنية الثقافة العربية الإسلامية على عكس ما جرى في الغرب .

حيث دخل العلم ضمن انساق الثقافة العامة والحياة اليومية لأفراد المجتمع وذلك عن طريق تعميم مكتسباته التى اخذ يتعامل بها الناس كما دخل مفهوم العلم في صراع مع الكنيسة عند ما طرح مفاهيم جديدة للكون وتفسيرات أخرى للظواهر الطبيعية والاجتماعية فساهم في عقلنه رؤية الفرد للطبيعة وللمجتمع .

اما العلم في الثقافة العربية فلم تقم بينه وبين الدين علاقة تصارعية وذلك لان مفهومه المعتمد على التجربة العلمية ظل محصورا ومعزولا عن المجتمع فأنه لم يصل في تطوره الى ذلك المستوى الذى كان من الممكن ان يضعه في مواجهة الدين .

وذلك كأن يأتى بتفسيرات لظواهر الطبيعة تختلف مع تلك التى يتبناها رجال الدين انطلاقا من فهمهم له وبالتالي فان مصطلح العلم لم يواجه اى عداء من طرف الدين بل ان كلمة علم وردت دائما في النص الديني مقرونة بالتبجيل والتفضيل .

لم يكن الموقف المبدئي لرواد الخطاب الانبعاثي الإسلامي معاديا للعلم فقد نظروا جميعهم اليه نظرة قبول ولاسيما فيما يخص تكنولوجيا عصرهم فاعتبروها اداة مفيدة ويمكن تحييدها واستخدامها بمعزل عن الثقافة التي أنتجتها ولعل هذا الربط بين مفهوم العلم وبين العلوم التطبيقية يعود الى العلاقة المباشرة بين هذا النوع من العلوم.

ومفهوم القوة المتمثل بالدرجة الأولى في الآلة العسكرية الأوروبية التي هزمت العرب والمسلمين بفضل أسلحتها المتطورة فالانتصار العسكري الأوروبي كان هو الصدمة التي افاق منها العرب وأدركوا تفوق خصمهم عليهم بفضل ما حققه من مكتسبات في ميدان العلم ولهذا فقد اجمع كل رواد الخطاب الانبعاثي على ضرورة الأخذ بالصنائع لاجل الدفاع عن الأمة في مواجهة أعدائها.

لقد اتخذ الخطاب الانبعاثى في تعامله مع الدين منهجين:

الأول إضفاء مشروعية دينية على العلم وذلك بخلق توافق بين المعارف الدينية والمعارف العلمية على أساس ان كل ما يتوصل إليه العلم من اكتشافات ما هي الا أدلة لاحقة تثبت صحة ما جاء به الدين من حقائق وتفسير ما كان عصيا على فهم الذين كانوا قبلنا يحاولون تفسيرها .

لعل هذا الربط الذي يظهر فيه الدين والعلم يدعم كل منها الآخر اقتضته ظروف نشأة هذا الخطاب الذي وجد ان لا مفر من الأخذ بأسباب العلم الذي اتى به الخصم .

وبما ان هذا العلم يلزمه سند مشروع لكي يكون طلبه والاشتغال به واجبا على من يستطيع ذلك وبما ان ليس هناك مصدر يمنح هذه الشرعية اعلي من مصدر الدين فقد جرى الربط بين الاثنين غير ان هذا المنهج الذي يربط مشروعية العلم بالنص الديني أدى في ما بعد إلى جعل كل منهما أسيرا للآخر فكلما ظهرت مكتشفات جديدة طرح سؤال ما اذا كانت هذه الوقائع الجديدة تتناقض مع النص الديني ام تتوافق معه الإجابة عن هذا السؤال كانت تؤدي بالضرورة الى موقفين الأول لا يرى تناقضا بين النص.

وهذه الوقائع الجيدة ويذهب في سبيل ذلك إلى تفسير النص وتحويره بطريقة اجتهادية تخرجه عن مجاله الروحاني الى مجال المادة والطبيعة أما الموقف الثاني فيرى في مثل هذه الوقائع تعارضا مع النص الديني وبالتالي يعتبر التعامل معها بمثابة خروج على الدين .

يبدو ان الخطاب الانبعاثي قد تعامل مع العلم بالكيفية التي تعامل بها الخطاب الفلسفي الاسلامي مع الفلسفة اليونانية حيث حاول الفلاسفة المسلمون ان يجعلوا من فلسفة يونان خادمة للنص الديني وقد نجح هؤلاء الى حد كبير في ذلك لان الجدل بين الطرفين كان جدلا نظريا لم تتدخل فيه التجربة والمختبر .

اما المنهج الثاني الذى اتخذه الخطاب الانبعاثي للتعامل مع العلم فقد جعل مفهوم العلم يكاد يكون محصورا فيما يسمى بالصنائع والتكنولوجيا وهذا المفهوم يعد في حقيقة الأمر ثمرة الدرس المر المستفاد من الهزيمة أمام الآلة العسكرية الأوروبية .

والتي سيظل امتلاك آلة بمثل قوتها الهاجس المزمن لكل التجارب العربية التي حاولت كسر قواعد الهيمنة الغربية على المنطقة بل أصبحت الآية القرآنية واعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل.

هي الشعار الذي يرفعه كل تجمع للعمل وكل تجربة للبناء وهذا يعكس الى حد بعيد الربط بين مفهوم القوة ومفهوم العلم الذي تبنته ثقافة الانبعاث التي تشكلت كرد فعل على هزيمة تاريخية ساحقة ما تزال عقابيلها بعد مضي أكثر من قرنين من الزمن تتفاعل على كل صعيد.